قصة امرأة عمران

تلونا في هذه الليلة قول الله سبحان وتعالى {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } الآيات .
قوله تعالى مخبرا عن حال امرأة عمران وهي أم مريم عليهما السلام{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ  } الله سبحانه وتعالى لم يصرح باسمها ، ولما ذكر سبحانه وتعالى الإناث لم يصرح باسم امرأة منهن سوى امرأة واحدة وهي مريم ، وإنما لم يصرح سبحانه وتعالى بأسماء النساء إما لأنه لا فائدة من ذكر أسمائهن على وجه التعيين ، وإما دعوة للنساء أن يحرصن على الستر ، فكما أنه سبحانه وتعالى ستر على أسمائهن فالأولى بهن والأجدر بهن أن يستر على أنفسهن وأن يلبسن اللباس المحتشم الشرعي ، وإنما ذكر اسم مريم من باب التبيين لأولئك الذين قالوا إن عيسى ابن الله ليبين لهم أنه ليس ابنا له وإنما هو ابن لمريم .
{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } كانوا في شريعتهم يحررون أي ينذرون الأولاد الذكور لخدمة المسجد الأقصى ، فامرأة عمران لا تعلم بحقيقة ما في بطنها ، فنذرت ما في بطنها أن يكون عتيقا لله سبحانه وتعالى وأن يهيأ لخدمة المسجد الأقصى ، { إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }آل عمران35
وهنا إشارة إلى أن المسلم إذا دعا الله سبحانه وتعالى عليه أن يحرص على ذكر أسمائه سبحانه وتعالى ولا سيما اسم ( السميع ) ولذلك لما قال زكريا عليه السلام { قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء } { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } فالله أعلم بحال ما في بطنها قبل أن تلد ما في بطنها فذكرت بأنها ولدتها أنثى على سبيل الحزن والألم لأن المعهود في ذلك العصر أن الذي يخدم بيت المقدس خدمة طيبة جليلة هم الذكور ، هم الرجال لأنهم الأقوياء أما هذه فهي امرأة ضعيفة أضف إلى ضعفها ما يعتريها من الحمل والحيض والنفاس وما شابه ذلك { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } 
{ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } من حين ما ولدتها سمتها مريم ، وفي هذا دليل على أن السنة للشخص الذي حملت امرأته وقد وضع اسما في ذهنه إذا ولد هذا المولود السنة له من حين ما تلد امرأته أن يسميه لكن إذا لم يجد اسما أو لم يتهيأ الاسم فإنه يؤخره  إلى اليوم السابع كما جاءت بذلك السنة ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على بعض أصحابه قال ( إني ولد لي هذه الليلة غلاما فسميته إبراهيم ) من حين ما ولد .
{ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } فاستجاب الله عز وجل دعاءها ، ولذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما من مولود إلا وينخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ) ولذلك حينما تنزل الحامل ما في بطنها يستهل صارخا ، وهذا معروف ومعتاد عليه فإذا لم يستهل صارخا ففيه علة إما أنه نزل ميتا أو أن به علة في دماغه أو في مخه أو ما شابه ذلك ، فاستجاب الله دعاءها { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً } بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قبل هذه الأنثى على أن تكون خادمة لبيت المقدس وأنبت الله سبحانه وتعالى بدنها نباتا حسنا { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } يعني أصبحت تحت كفالة زكريا عليه الصلاة والسلام ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل في أمر هذه الأنثى عجبا فإن زكريا لما كفل هذه الأنثى وجد عندها أمرا غريبا – وَوَقْتَها كان كبيرا في السن عليه الصلاة والسلام { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ } وهي غرفة في المسجد يتعبد فيها { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ } يقول المفسرون : إن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الرزق بأن تأتيها فاكهة الشتاء في فصل الصيف وتأتيها فاكهة الصيف في فصل الشتاء وهذا على غير المعتاد ولا سيما في تلك العصور ، يمكن أن يكون في عصرنا [ ثلاجات وحافظات ] وما شابه ذلك ، لكن في ذلك العصر يستغرب أن يؤتى مثلا بالعنب الذي في فصل الصيف أن يؤتى به في فصل الشتاء ، ولا يُتعجب في عصرنا هذا لأن هناك حافظات وهناك برَّادات { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا } ؟ أنت امرأة وصغيرة في السن ولا تبرحي فمن أين هذا ؟ { قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } رزقا واسعا رغدا بغير حساب ، وبغير منة ، وبلا عدد ، زكريا في حالة مرضية ، في حالة كئيبة في مثل هذا السن لم يولد له ولد فامرأته كبيرة في السن فلما رأى قدرة الله وعظمة الله سبحانه وتعالى إذ يؤتى بهذه الفاكهة في غير ميعادها تذكر بأن القادر جل وعلا على إتيانها في غير وقتها قادر على أن يهب له الولد في مثل هذا السن {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } وهذا الدعاء كان بنداء خفي كما ذكر سبحانه وتعالى في أول سورة مريم { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً{3} قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً{4} وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ } يعني أقربائه { مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً{5} يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } يعني يرثني النبوة وليس المقصود أن يحرم ورثته من المال أو من ماله ( كلا ) { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }
{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } لم يقل { ذُرِّيَّة ً } وانتهى الأمر ( لا ) وإنما قال { ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } ولذلك نعجب من البعض حينما يولد له أنثى يتذمر لمَ لمْ يكن ذكرا ؟ لا شك أن رغبة الإنسان وهذه جبلة وطبيعة ابن آدم لا شك أنه يرغب في الذكر أكثر من الأنثى ولكن لا تحزن على ما أعطاك الله سبحانه وتعالى لأنك لا تدري أيهم أبر لك الأنثى أم الذكر { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً }النساء11، بل احمد الله عز وجل في مثل هذا العصر إذا وهبت مولودا سواء كان أثنى أو ذكرا على أي لون كان ، احمد الله عز وجل على أنه أتى سليما ، ولذلك عائشة رضي الله عنها كما صح عنها ( إذا بُشِّرت بأن فلانة قد ولدت )  لا تسأل أهو ذكر أم أنثى ؟ وإنما تقول ( أهو خلق سوي ؟ ) لم ينقصه شيء من الأعضاء ؟ ( فإذا قالوا : نعم  ، قالت : الحمد لله ) .
{ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء } لما ابتهل إلى الله عز وجل بهذا الدعاء الخفي ، ما الذي حصل ؟ { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ } لم يقل [ ثم ] ( لا ) قال { فَنَادَتْهُ } أتى بـ [ الفاء ] وهي تفيد الرتيب والتعقيب ، يعني من حين ما دعا استجاب الله دعاءه { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ } والمقصود بالملائكة هنا هو جبريل عليه السلام ،{ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ } لكن ذكر جملة مهمة جدا تدل على أن الإنسان متى ما يكون قريبا من الله عز وجل فليبشر بالخير { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ } { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } قلنا كلما كان العبد قريبا من الله كلما تيسرت له أموره كلها { أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى } اسم يدل على الحياة ، ويدل على أن هذا الغلام يا زكريا بأنه سيحيى ، بل قال تعالى في سورة { مريم َا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً{12} وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً{13} وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } ما الذي بعدها ؟ { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً } لماذا ذكر هذه المواطن الثلاثة ؟ لأن المواطن مواطن خيفة ورهبة ورعب ، { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} لأنه أتى إلى عالم جديد ، ما يدري كيف يكون حاله في هذا العالم ؟ { وَيَوْمَ يَمُوتُ } لأنه مقبل على القبر { وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً } لأنه مقبل على الله سبحانه وتعالى إما إلى جنة وإما إلى نار .
{ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ { أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ } بمعنى أنه مصدق بعيسى لأن عيسى يطلق عليه{  كلمة الله } لأنه خُلق بكلمة كن فكان { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران59 ولذلك لو تأملتم هذه السورة وهي سورة [ آل عمران ] تجدون أنها تتحدث عن النصارى أكثر من اليهود بينما في سورة [ البقرة ] تجد أن الحديث عن اليهود أكثر من الحديث عن النصارى في سورة [ البقرة ] .
{ وَسَيِّداً } له سيادة { وَحَصُوراً } يعني ممتنعا عن النساء يعني لا يرغب فيما حرم الله سبحانه وتعالى { وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ } فتعجب زكريا { قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } إن الله قادر على كل شيء ولذلك قال في سورة [ مريم ] { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } مريم9 ،
{ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً } زكريا عليه السلام رغب بأمارة وعلامة تدلل له وتبرهن له هذه البشرى  { قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } يعني إلا بالحركة ، حبس الله لسانه عن الكلام إلا من ذكر الله سبحانه وتعالى { قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } وهذه الثلاثة الأيام بلياليهن { قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً }مريم10، ثم هذه النعمة ألا تستوجب شكر الله سبحانه وتعالى ؟ { وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ }آل عمران41 ، يعني صل في أوائل النهار وفي أواخره .
{ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } بدأ الآن يُرشد مريم عليها السلام إلى أن تعرف فضل الله سبحانه وتعالى عليها من حين ما خلقت {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } ثم عاد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ } يعني هذه القصة ما كنت تعلمها يا محمد وإنما جاءتك من قبلنا ، وهذا يدل على أنك صادق فيما ذكرته { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في أمر مريم أيهم يكفلها ، لأنها كانت ابنة عمران ، فتخاصموا فيمن يكفل هذه الأنثى لما ولدت ، لما ولدت وهي صغيرة تخاصموا فيمن يكفلها ؟ من يقوم برعايتها وشؤونها ؟ فألقوا أقلامهم في النهر ، قالوا نلقي أقلامنا فأينا الذي خرج قلمه وارتفع فإنه يكفل مريم ، فخرج قلم زكريا عليه السلام فأصبحت تحت كفالة زكريا عليه الصلاة والسلام
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *