الهوية الثقافية


مقدمة
في الوقت الذي يشهد فيه مفهوم الثقافة،  منذ فترة،  نجاحاً خارج دائرة العلوم الاجتماعية الضيقة، نجد مفهوماً آخر هو مفهوم” الهُوية الثقافية” – وهو غالبا ما يرتبط بالأول- يشيع استخدامه تدريجياً لدرجة جعلت بعض المحللين يرون فيه أثراً من آثار الموضة،
مفهوم (الثقافة) 
هو من المفاهيم الملتبسة في كل اللغات لأنه يراد التعبير بكلمة واحدة عن مضمون شديد التركيب والتعقيد والتنوع والعمق والاتساع ويضاعف الالتباس أن علم الثقافة والانثروبولوجيا الثقافية وعلم اجتماع المعرفة وعلم البرمجة العصبية اللغوية، ما زالت تُدرس على نطاق ضيق كتخصصات فردية ولم تصبح من العلوم التي يقرأها كل الدارسين كالفيزياء والجغرافيا والكيمياء والتاريخ لذلك ظل معظم الناس لا يعرفون الحقائق الهامة التي توصلت إليها العلوم الإنسانية.
الإسهام العربي في تحديد ” الثقافة يستعرض د . حسين مؤنس المعاني العربية لمادة ” الثقافة ” كما وردت في ” لسان العرب ” نختار منها التالي : ” ثقف الشيء ثقفاً وثقوفاً : خدمة ، ورجل ثقف : حاذق فهم 
خصائص الثقافـة :
إن الخصائص الرئيسية للثقافة هي :
1-  إنها من اكتشاف الإنسان باعتبارها مكتسبة وليست وراثية أو غريزية ، وبالاستناد إلى ذلك لا يمكن أن نجد أية ثقافة لدى الحيوان لاعتماده على الغريزة، إذن الثقافة إنسانية الملامح، ولا مجال لقيام أيةِ ثقافةٍ دون الوجود الإنساني الذي ينمي هذه الثقافة ويكتسبها عن الغير من خلال تطور حياته الاجتماعية فناً وفكراً وسلوكاً .
2-  الثقافة تنتقل من جيل لآخر، ومن مجتمع لآخر، من خلال العادات والتقاليد والقوانين والأعراف، وعملية النقل هذه تتم من خلال التعلم، مع إضافة كل جيل لما يكتسبه مما يطرأ على حياته من قيم ومبادئ وأفكار وسلوكيات جديدة نتيجة لتغير الظروف .
3-  الثقافة قابلة للتعديل والتغير من جيل لآخر، حسب الظروف الخاصة بكل مرحلة، ويمكن للأجيال الجديدة أن تضيف قيماً ومفاهيم جديدة لم تكن موجودة لدى الأجيال السابقة.
مفهـوم الهُوية:
إن مسألة الهُوية توحي وللوهلة الأولى، إلى المسألة الأوسع وهي مسألة الهُوية الاجتماعية التي تعد الهُوية إحدى مكوناتها، إذا لا يمكننا التطرق إلى مفهوم الهُوية إلا إذا حددنا بعدها الاجتماعي.
وعليه تعبر الهُوية الاجتماعية “محصلة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الفرد مع محيطه الاجتماعي القريب والبعيد، والهُوية الاجتماعية للفرد تتميز بمجموع انتماءاته في المنظومة الاجتماعية؛ كالانتماء إلى طبقة جنسية أو عمرية أو اجتماعية أو مفاهيمية…الخ، وهي تتيح للفرد التعرف على نفسه في المنظومة الاجتماعية وتمكن المجتمع من التعرف عليه”.
لكن الهُوية الاجتماعية لا ترتبط بالأفراد فحسب، فكل جماعة تتمتع بهوية تتعلق بتعريفها الاجتماعي وهو تعريف يسمح بتحديد موقعها في المجموع الاجتماعي.
أما الهُوية فلغويا هي مأخوذة من “هُوَ.. هُوَ” بمعنى أنها جوهر الشيء، وحقيقته، لذا نجد أن الجرجاني في كتابه الذائع الصيت ”التعريفات“ يقول عنها: بأنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب.
فهوية الإنسان .. أو الثقافة.. أو الحضارة، هي جوهرها وحقيقتها، ولما كان في كل شيء من الأشياء – إنساناً أو ثقافة أو حضارة – الثوابت والمتغيرات .. فإن هوية الشيء هي ثوابته، التي تتجدد لا تتغير، تتجلى وتفصح عن ذاتها، دون أن تخلي مكانها لنقيضها، طالما بقيت الذات على قيد الحياة.
خصائص الهُوية:
ان تحديد هوية مجتمع او جماعة او فرد يقتضي العودة الى جملة من العناصر التي يمكن تصنيفهاالى المجموعات التالية:
اولا: عناصر مادية وفيزيائية تشمل:
–       الحيازات: الاسم، الالات والموضوعات الاموال والسكن والملابس.
–       القدرات: القوة الاقتصادية و المالية والعقلية.
–       التنظيمات المادية: التنظيم الإقليمي، نظام السكن، نظام الاتصالات الانسانية.
–       الانتماءات الفزيائية: الانتماء الاجتماعي، التوزعات الاجتماعية، والسمات المرفولوجية الاخرى الممزة.
ثانيا: عناصر تاريخية وتتضمن:
–       الاصول التاريخية: الاسلاف، الولادة، الاسم، المبدعون، الاتحاد، القرابة، الخرافات الخاصة بالتكوين، الابطال الاوائل.
–      الاحداث التاريخية الهامة: المراحل الهامة في التطور، التحولات الاساسية، الاثار الفارقة، التربية والتنشئة الاجتماعية.
–       الاثار التاريخية: العقائد والعادات والتقاليد، العقد الناشئة عن عملية التطبيع او القوانين والمعايير التي وجدت في المرحلة الماضية.
ثالثا: عناصر ثقافية نفسية وتتضمن:
–       النا الثقافي: المنطلقات الثقافية، العقائد، الاديان والرموز الثقافية، الايديولوجيا ونظام القيم الثقافية، ثم اشكال التعبير المختلفة “فن، ادب”.
–       العناصر العقلية: النرة الى العالم، نقاط التقاطع الثقافية، الاتجاهات المغلقة، المعايير الجمعية، العادات الاجتماعية.
–       النام المعرفي: السمات النفسية الخاصة، اتجاهات نظام القيم.
رابعا: عناصر نفسية اجتماعية وتتضمن:
–       اسس اجتماعية: اسم، مركز، عمر، جنس، مهنة، سلطة، واجبات، ادوار اجتماعية، نشاطات، انتماءات اجتماعية.
–       القيم الاجتماعية: الكفاءة، النوعية، التقديرات المختلفة.
–       القدرات الخاصة بالمستقبل: القدرة والامكانيات، الاثارة الاستراتجية، التكيف، نمط السلوك.
 العلاقة بين الهُوية والثقافة:
أما العلاقة بين الهُوية والثقافة، فإنها تعني علاقة الذات بالإنتاج الثقافي، ولا شك أن أي إنتاج ثقافي لا يتم في غياب ذات مفكرة، دون الخوض في الجدال الذي يذهب إلى أسبقية الذات على موضوع الاتجاه العقلاني المثالي، أو الذي يجعل الموضوع أسبق من الذات، وإن كل ما في الذهن هو نتيجة ما تحمله الحواس وتخطه على تلك الصفحة (ذهن الإنسان) كما يذهب لوك، والاتجاه التجريبي بشكل عام.
مفهوم الهُوية الثقافـية:
أن الهُوية الثقافية كيان يصير ويتطور، وليس معطى جاهز ونهائي،فهي تصير وتتطور آما في اتجاه الانكماش ، آو في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم ،انتصاراتهم وتطلعاتهم ،وأيضا باحتكاكها سلب وإيجاب مع الهويات الثقافية الأخرى، التي تدخل معها  في تغاير من نوع ما . وعلى العموم تتحرك الهُوية الثقافية في ثلاث دوائر متداخلة ذات مركز واحد، وكما يأتي:
أ‌-     الفرد داخل الجماعة الواحدة، هو عبارة عن هوية متميزة ومستقلة عبارة عن أنا لها آخر داخل الجماعة نفسها، أنا تضع نفسها في مركز الدائرة عندما تكون في مواجهة مع هذا النوع من الآخر القبيلة ،المذهب والطائفة أو الديانة ،التنظيم السياسي أو الجماعي .
ب‌-    الجماعات داخل الأمة، هم كالأفراد داخل الجماعة، لكل منها ما يميزها داخل الهُوية الثقافية المشتركة، لكل منها أنا خاصة بها و آخر من خلال وعبرة على نفسها بوصفها ليست إياه.
ت‌-    الشيء نفسه يقال بالنسبة إلى الأمة الواحدة إزاء الأمم الأخرى غير أنها أكثر تجريدا، وأوسع نطاقا، وأكثر قابلية على التعدد والتنوع والاختلاف.
عناصر الهوية الثقافية
 تتكون الهوية الثقافية من العناصر التالية:
 الوطن :تعرف الهوية الثقافية الوطن بأنه الأرض التي يعيش عليها الإنسان، أو المساحة الجغرافية التي يشغلها الفرد في دولة ما، فيصبح الوطن مع الوقت جزءاً من هوية الأفراد، والذين يطلق عليهم مسمى المواطنين؛ لأن الوطن يساهم في تشكيل هويتهم الثقافية بكافة مكوناتها الفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، وغيرها.
 الأمة: تعرف الهوية الثقافية الأمة بأنها التكامل، والتوافق الفكري بين مجموعة من الأفراد الذين يعيشون في وطنٍ ما، وينتمون له انتماءً فكرياً، وعاطفياً، واجتماعياً، ويتفق الأفراد داخل الأمة الواحدة على مجموعة من الأمور الأساسية، والتي ترتبط بطبيعة عادات المجتمع، ومنها: احترام الأديان، وتطبيق الأخلاق، والتواصل بلغةٍ مشتركة.
 الدولة: تعرف الهوية الثقافية الدولة بأنها الوحدة القانونية بين الوطن، والأمة والتي تحرص على المحافظة عليهما، وتوفير كافة الوسائل اللازمة لحماية الوطن، والأمة من التعرض لأية مخاطر داخلية، أو خارجية، والعمل على تمثيلهما أمام الدول الأخرى، في كافة المنظمات، والمؤتمرات الدولية.
مستويات الهوية الثقافية 
تتوزع الهوية الثقافية على مجموعة من المستويات،
 المستوى الفردي 
يعرف أيضاً باسم الهوية الفردية، وهي التي تشير إلى ثقافة كل فرد من أفراد المجتمع بصفته الشخصية، أي أن الفرد الواحد يعكس الثقافة السائدة في المجتمع الذي يوجد فيه، فالفرد داخل الجماعة الواحدة سواءً كانت عائلة، أو قبيلة، أو جمعية، أو غيرها من الجماعات، يعد عنصراً من العناصر المميزة، والمستقلة والذي يساهم في التأثير في الثقافة السائدة تأثيراً مباشراً، أو غير مباشر. المستوى الجماعي
 يعرف أيضاً باسم الهوية الجماعية، وهي التي ترتبط بتأثير مجموعة من الأفراد الذين يمثلون جماعةً معينة في الهوية الثقافية السائدة في المجتمع الذي يوجدون فيه، فيعتبرون كالأفراد داخل الجماعة الواحدة، وينظر إليهم على أنهم عنصر واحد يتميز بهوية ثقافية مشتركة ترتبط مباشرة بالهوية الثقافية للمجتمع. 
المستوى القومي 
يعرف أيضاً باسم الهوية الوطنية، وهي التي تجمع بين الهوية الفردية، والهوية الجماعية في مجموعة واحدة تعد المكون الرئيسي للهوية الثقافية التي تشير إلى الأفراد، والجماعات داخل الدولة الواحدة، وتحرص الهوية القومية أيضاً على تعزيز التعايش الاجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع الواحد.
خاتمــة
إن الهوية لا تعني الانغلاق على الذات أو على التراث والثبات وعدم التغيّر والتطوّر مما لا يقود إلا إلى التعفن والاندثار والموت، فالهوية ليست كياناً دائماً وثابتاً لا يحول ولا يزول، نشأ هكذا دفعة واحدة وإلى الأبد، استلمناه من أسلافنا دون تغيير ونسلمه بأمانة لأخلافنا دون أن نتصرّف فيه، وحتى لو أردنا ذلك فإننا لن نستطيع، لأن التغيير حادث لا محالة، وهو يحدث رغماً عنا، ومن الأفضل أن نعرف كيف نتعامل مع التغيير من أن يفرض علينا ونحن عنه غافلون.
لذلك فإن تعزيز الهوية بنظرنا يعني القدرة على الاستمرار والتجدد الدائم والحوار النقدي الايجابي مع المتغيّرات الجديدة ومع الثقافات الأخرى، لأن الهوية بغير ذلك مجرّد ذكرى، ولأن الثقافة التي لا تحاور وتتجدد وتتغيّر هي ثقافة خالية من الإبداع، وميتة لا محالة، ولا نريد لثقافتنا أن تكون كذلك.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *