احترام الخصوصية في التشريعات الحقوقية

مفهوم عالمية الاسلام وابعاد حقوقه الكونية
مفهوم عالمية السلام:
 يقصد بها شمولية دعوة الاسلام لكل الأجناس والأقوام في كل زمان ومكان ختم الله سبحانه بها سلسلة رسالاته الى البشرية بالقرآن الكريم، ومسار أنبياءه ببعثة سيدنا محمد رسولا الى العالمين بدين الاسلام، مجددا دعوتهم الى عبادة الله وحده، ومذكرا أتباعهم بالعهود والمواثيق، التي تستلزم باعتبارهم مؤمنينبالكتب السماوية. وتقوم عالمية الاسلام على اعتبارات عديدة أهمها:
   عالمية الاسلام باعتبار وحدة المصدر: حيث هيأ الرسل السابقون أقوامهم لتقبل الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة المكملة لرسالاتهم التي تنبني على وحدة مصدر الوحي.
   عالمية الاسلام باعتبار وحدة الهدف: حيث توحدت دعوة الأنبياء والرسل السابقون حول محور التوحيد وهداية الناس الى عبادة الله سبحانه وتعالى،فعالمية الاسلام تنبني على وحدة الهدف الذي هو تحرير الناس من عبودية الناس، واخلاص العبادة لله تعالى.
   ابعاد حقوقه الكونية
   تعتبر بعثة سيدنا محمد حدثا مهما في تاريخ الانسانية. فالرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر اللبنة الاساسية والأخيرة في بناء صرح الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لنا، وبنزول القرإن عليه هدى الله سبحانه الانسانية بكتاب محفوظ لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه، مصدقا بما تقدم من كتب، ومسيطرا على كل ما حرفه الناس من احكامها، فانتصر الحق وزهق الباطل, قال سبحانه وتعالى :
   ) وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديك من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق( سورة المائدة، الاية : 4 وقد أخبر الله تعالى أن الاسلام رحمةللانسانية يؤسس لحياة سعيدة تقوم على:
 –اقامة العدل في الارض، وذلك بحفظ الحقوق وتحقيق المساواة بين الناس. وانصاف المظلومين من النساء والأطفال. وحفظ كرامة الانسان دون تميز. فلا فضل لعربي على عجم ولا لأبيض على اسود الا بالتقوى.
  – تحقيق السعادة والحياة الطبيةة للانسانية: وذلك بتكريم الانسان وحفظ كرامته بسن تشريعات تضمن حقوقه، وتشيع قيم العدالة، والمساواة. فحرم الله تعالى الاعتداء على النفس والعرض والمال. كما حرم الظلم على عباده جميعا.
   عن أبي ذر عن النبي فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: <<يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا>
مفهوم الكونية في الشرعة الدولية لحقوق الانسان
.كونية حقوق الإنسان تعني أن تبلور هذه الحقوق أو تضمينها في الشرعة العالمية هو ثمرة لكفاح الإنسانية عبر التاريخ في مواجهة جميع أشكال الظلم، ونتاج لتلاقح وتفاعل الثقافات الكبرى عبر الزمان،بما في ذلك الحضارة العربية الإسلامية، كما تعني أيضا أنه لا يجوز استثناء أحد، في أية منطقة أو في أي نظام ثقافي، من التمتع بهذه الحقوق، فهي كونية لأنها ترتبط بمعنى الإنسان ذاته وبغض النظر عن أي اعتبار.
وتكشف دراسة الوثائق الدولية المختلفة المتعلقة بحقوق الإنسان، وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1948، أنّ المفهوم الذي تحدده هذه الوثائق، التي حظيت بقبول واسع في المجتمع الدولي، هو مفهوم شامل ينطوي على ثلاث فئات من الحقوق، يتفق كل منها مع جيل معين من حقوق الإنسان ساهمت أقسام متباينة من البشرية في صياغته: أولاها، الحقوق السياسية والمدنية، وتتمثل في حقوق الحياة والحرية والكرامة الشخصية، البدنية والمعنوية، وضمان المحاكمة العادلة وحرية العقيدة والتعبير والتنظيم المهني والسياسي وانتخاب الحاكمين.. إلخ؛ وثانيتها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل حقوق العمل وفقا لأجر عادل، والتعليم، والعلاج، والدخل المناسب؛ وثالثتها، ما يمكن تسميته بحقوق الشعوب أو الحقوق الجماعية، مثل حقوق تقرير المصير والسلام، والتنمية والبيئة، فضلا عن استخدام اللغة الوطنية وصيانة الثقافة القومية.
لقد أضحت قضايا حقوق الإنسان عالمية بامتياز، ولم يبقَ الاهتمام بها وبمدى احترامها منحصرا في ميدان معين أو مقتصرا على فئة محدودة، بل تجاوز هَمُّ المهتمين بها كل مناطق العالم، ولم تعد الحدود الجغرافية تشكل أي حاجز، كما أنه لم يبقَ من حق الدول التذرع بالسيادة الوطنية لمنع التدخل من أجل قضية إنسانية لرفع الظلم ورد الاعتبار إلى الكرامة الإنسانية.
وعليه، فإن احترام حقوق الإنسان أصبح أحد أهم المعايير الدولية لقياس تقدم الدول، ومن ثم فإن أي انتهاك لها يعرّض الدولة المدانة لضغوط وإدانة دامغة من المنظمات العالمية ومن المجتمع الدولي، مما يحمّل الحكومات مسؤولية ضمان هذه الحقوق الأساسية، ويلزم مؤسساتها، التشريعية والتنفيذية والقضائية، بتشريع هذه الحقوق الأساسية وضمان تطبيقها، وفاء لما وقعت عليه من مواثيق دولية، ولما تنص عليه معظم الدساتير من حقوق وواجبات للأفراد والحكومات.
ومن المؤكد أن مبدأ احترام الاتفاقيات يشكل أساس القانون الدولي العام، فبدونه ينتفي كل تعامل أو وفاق دولي. كما أن هناك «معاهدة فيينا» المؤرخة في 23 مايو 1965، والتي تنص في ديباجتها على أن حرية الانضمام إلى المعاهدات ومبدأ حسن النية وضرورة تنفيذ الاتفاقيات مبادئ معترف بها عالميا، وأن شعوب الأمم المتحدة تؤمن باحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات، وبأن تطوير الاتفاقيات من شأنه خدمة أهداف الأمم المتحدة واحترام حقوق الإنسان. وأضافت (المادة 27) أن الأطراف لا يمكنها التذرع بالقانون الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة صادقوا عليها.
وهنا يثير بعض ضيقي الأفق ضرورة تجنب إثارة قضايا حقوق الإنسان حتى لا نقع فريسة التلاعب الدولي بهذه القضية، وأن نستدعي تدخل الأقوياء في الشؤون الداخلية لدولنا الضعيفة.
والواقع أن هذه المقولة بها بعض الصدق، ولكن ليس الصدق كله؛ إذ إن استفادة الناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، باعتباره مسؤولية مشتركة للبشرية، من قوة هذه الدولة أو تلك، أو من الدور الجديد المؤثر لمنظمات المجتمع المدني في العالم، أو من قدرة الأمم المتحدة على استخدام هامش استقلالها النسبي عن الدول الأعضاء لنصرة حركة حقوق الإنسان، لا يغيّر من تقديرنا لحقيقة أن هذه الحركة تنبعث فعلا من الضمير العالمي.
كما أن تبلور هذا المنظور يؤكد إدراكا موحدا بأن احترام حقوق الإنسان لم يعد حكرا للسياسة الدولية، وإنما قد أصبح جزءا لا يتجزأ من السياسة الداخلية لمختلف المجتمعات، وأنه بذلك يتحول إلى معيار أمين للمشروعية والمصداقية السياسيتين.
مدى احترام الخصوصيات في منظومة الحقوق في الاسلام
أن الخصوصية الكبرى لمفهوم حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية تتمثل في “الشمول والعالمية”؛ فقد جاءت الشريعة بتقرير كل أنواع الحقوق المدنية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، الجماعية منها والفردية من جهة، وجاء الخطاب من جهة أخرى باحترام هذه الحقوق وحمايتها وضمانها شاملاً لكل بني آدم، أو لكل إنسان بوصفه إنساناً، وبوصفه إنساناً فقط لا أكثر من ذلك ولا أقل؛ بل تمتد هذه الحقوق -في جوانب كثيرة منها- لتشمل الحيوان والجماد والبيئة في منظومة متجانسة ومتناغمة.
إن خصوصية حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية هي في “عالميتها” إذ إن خطاب التكليف بها وبحمايتها موجه للآدمي بموجب كونه إنساناً، وليس ثمة حق واحد دينياً كان أو مدنياً، سياسياً أو اجتماعياً مقرر للمسلم وحده ومحظور على غيره. وهذه الخصوصية أيضاً هي في شمولها لكل أنواع الحقوق التي عرفتها المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان في صيغها الحديثة والمعاصرة.
إن البحث في مضمون خصوصية حقوق الإنسان من المنظور الإسلامي يقتضي بادئ ذي بدء الرجوع إلى نظرة الإسلام إلى الإنسان وتحديد موقعه في هذا الكون. وهنا نجد أن الإسلام قد اعترف بكيان الإنسان كما هو في حقيقته، فكل إنسان أياً كان عرقه أو لونه أو دينه أو حضارته محترم وأخ لأخيه الإنسان، “كلكم لآدم وآدم من تراب”. وأياً كان المكان أو الزمان الذي يولد ويعيش فيه، هذا الإنسان في نظر الإسلام يولد على الفطرة، وهذه الفطرة هي واحدة في كل بني آدم، وهي موجودة كاملة غير منقوصة فيه منذ لحظة ميلاده، وتشمل هذه الفطرة نفخة من روح الله تعالى. ولا يولد الإنسان على الفطرة فقط، وإنما يولد مزوداً بأدوات المعرفة الأساسية: السمع والبصر والفؤاد، وهي الأدوات التي يستطيع بها أن يخدم ما في روحه من شوق إلى معرفة الله، وإلى الحرية بأوسع معانيها، وإلى التمتع بالحياة وتحقيق الازدهار الروحي إلى جانب الازدهار المادي وترقية نوعية حياته.
الاعتراف بحقوق الإنسان أصل كل الحقوق
ومن هنا كان أهم وأول حق من حقوق الإنسان تؤكده الخصوصية الإسلامية هو حق الاعتراف به كإنسان. إن هذا الحق هو أصل كل الحقوق الأخرى، وبدون تقريره على هذا المستوى الأصولي الروحي يكون عرضة لانتقاص كثير من حقوقه الأخرى تحت دعاوى كثيرة يختلقها الطغاة والمستبدون، وتبررها السلطات التي تتحكم فيه سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية. والتاريخ -القديم والوسيط والحديث والمعاصر- يقدم لنا كثيراً من الأدلة والشواهد التي تؤكد على أن عدم الاعتراف بآدمية الإنسان، أو بإنسانية الآدمي الذي كان هو البداية الأولى لإهدار كثير من حقوقه وحرياته الأساسية، كما يمدنا التاريخ بشواهد كثيرة توضح فداحة التضحيات التي قدمتها المجتمعات حتى وصلت إلى انتزاع الاعتراف بإنسانية الآدمي وكونه أهلاً للتمتع بالحقوق وممارستها وحمايتها.
حرية الفرد دعامة أساسية في الإسلام
 إن الدعامة الأساسية التي اتخذها الإسلام لكل ما شرعه من عقائد ونظم وقوانين هي “حرية الفرد”، والإقرار بقدرته على الاختيار بملء إرادته دون حاجة إلى وسيط أو وصي، اللهم إلا في حالات نادرة واستثناءات محددة تتعلق بفقدان الأهلية، أو تعرضها للنقص بسبب عيب من العيوب، بل إن بعض الفقهاء العظام من أمثال أبي حنيفة النعمان ذهبوا إلى أنه لا يجوز الحجر على السفيه، والسفه عيب من عيوب الأهلية كما هو معروف، وعلل أبو حنيفة ذلك بالقول بأن الحجر على السفيه إهدار لآدميته، وإلحاق له بالبهائم، وأن الضرر الإنساني الذي يلحقه من جراء هذا الإهدار يزيد كثيراً على الضرر المادي الذي يترتب على سوء تصرفه في أمواله، وأنه لا يجوز أن يدفع ضرر بضرر أعظم منه.
مدى احترام الخصوصيات في منظومة الحقوق الدولية
اعتبر المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بفيينا عام 1993 أن مسألة التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أمرا خطيرا، والمادة (27) من اتفاقية فيينا للمعاهدات لسنة 1969 تنص بكامل الوضوح على أنه لا يجوز لطرف في المعاهدة أن يستدل بمقتضيات قانونية محلية ليبرر عدم تنفيذه للمعاهدة.
إن الخصوصية الحضارية مفهوم صحيح في ذاته وضروري لمواجهة التنوع الاجتماعي والثقافي بين بلدان العالم وثقافاته المختلفة، ولكن المؤكد أنه استخدم بشكل نمطي من قبل النظم العربية للتحلل من التزامات قانونية وواجبات إنسانية، فثمة بلدان عربية استخدمته كذريعة لعدم التصديق على العهود والمواثيق الدولية، وفي مؤتمر بانكوك بالتحديد، وقفت كل من حكومات الصين وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا مع التناول المرن لمبادئ حقوق الإنسان، بما يسمح باعتبار الخصوصية الثقافية والسياسية للمجتمع الآسيوي ويسمح بالتالي بإقامة التوازن بين مبدأ العالمية وحقيقة الاختلاف.
والواقع أن منظومة حقوق الإنسان لا تنفي الخصوصيات الثقافية والدينية وحقوق التدين، بل تعارض استخدامها واستعمالها لتبرير وشرعنة الاضطهاد والتمييز وتحطيم كرامة الإنسان رجلا كان أو امرأة، بل أكثر من ذلك، فإن المنظومة العالمية لحقوق الإنسان لا تتوقف عند الاعتراف المعلن بالأديان والعقائد والثقافات المتباينة للبشرية، بل تتضمن نصوصا توفر ضمانات صريحة لحماية ممارستها حماية كاملة، فحرية الفرد ــ وفق المنظومة العالمية ــ في التعبير عن ديانته أو معتقداته تخضع فقط للقيود المنصوص عليها في القانون والتي تستوجبها السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
وفي هذا الصدد، فقد أشار تقرير منتدى المنظمات غير الحكومية المنعقد على هامش المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في بداية التسعينات من القرن الماضي إلى أنه: “قد تم التأكيد القوي وبما لا يدع مجالا للشك أن جميع حقوق الإنسان عالمية في طابعها وهي تقبل التطبيق بشكل متساو في إطار شتى التقاليد الاجتماعية والثقافية والقانونية، والادعاءات القائلة بالنسبية لا يمكن أبدا أن تبرر انتهاكات حقوق الإنسان في أي ظرف من الظروف…”.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *