رواية اديب : وقفة على خطاب الرواية و مرتكزاته


تمثل الرواية في مجملها خطاب موجه لتحقيق غايات و مقاصد محدّدة ، و هذا الخطاب تجسّد في أسلوب أدبي يستند إلى تقنيات التعبير الوصفي و السردي الذي يطبع أشكال الرواية السيرية غالبا ، ولعل الوقوف على مميزات خطاب طه حسين الروائي هذا يجعلنا نتبين أهم المرتكزات و العناصرالتي يقوم عليها و تؤثث فضاءاته ، و نجملها فيما يلي :
1-1)
المرسل:
يعتبر المرسل هو الحلقة الرئيسة في كل فعل تواصلي خطابي ، إذ من دونه تنعدم مواصفات الفعل التخاطبي . و يبقى طه حسين هو الممثل الفعلي لشخص المرسل في خطاب “أديب” نظرا لكونه هو كاتب الرواية و من رسم خارطة سير أحداثها بالرغم من تنوع الأحداث الصادرة عنه في صيغة المتكلم تارة و الغائب تارة أخرى ، و كذا تلك الصادرة عن شخصية “الأديب” الذي تتمحور حوله وقائع الفعل السردي في الرواية ، لأن الكاتب يبقى هو الموجه الفعلي لها بغية تحقيق أهداف و مرامي متباينة و هو الناقل الفعلي لتلك الأحداث أيضا .
1-2)
المرسل إليه:
يحتل شخص المرسل إليه مكانة مركزية في كل خطاب موجه إضافة إلى شخص المرسل باعتبارهما قطبي العملية التخاطبية ، و يسنَد هذا الدور في الرواية التي بين أيدينا لشخص “أديب” الذي استقي منه عنوان العمل بأكمله . إذ يبقى وصف”أديب” الذي صيغ به عنوان الرواية دلالة على صديق الكاتب الذي رافقه في سنوات الدراسة الجامعية سواءً في مصر أو بعد ذهابهما لفرنسا ضمن البعثات الطلابية التي أسلتها الحكومة المصرية لاستكمال الدراسة بالجامعة الفرنسية . كما يبقى القارئ لهذا المنتوج الروائي المتجسد في شكل خطاب موجه بغية تحقيق أهداف معينة أيضا في موضع مرسل إليه أو متلقي بشكل عام .
1-3)-
السياق:
قبل العرض لتحديد سياق هذا العمل الإبداعي المتمثل في شكل خطاب أدبي روائي للكاتب و الناقد المصري الكبير الدكتور طه حسين يلزمنا أولا الوقوف على دلالة مفهوم “السياق“.
أ-دلالة مفهوم السياق:
يحيل مفهوم “السياق” معجميا إلى تلك الأجزاء من الخطاب التي تحف بالكلمة في المقطع و تساعد في الكشف عن معناها.15
كما يطلق أحيانا على مجموع الظروف التي تحف حدوث فعل التلفظ.16
و مفهوم السياق عند تمام حسان يدل على الممارسة المتصلة للفعل اللغوي الذي يتجاوز مجرد التلفظ بالخطاب ، بدءاً من لحظة إعمال الذهن للتفكير في إنتاجه ، بما يضمن تحقيق مناسبته التداولية .17
و يبقى السياق دلالة على الإطار العام الذي يسهم في ترجيح أدوات بعينها ، و اختيار آليات مناسبة لعملية الإفهام و الفهم بين طرفي الخطاب ، و ذلك من خلال عدد من العناصر من قبيل العلاقة بين المتخاطبين و كذا الظروف الزمانية و المكانية للفعل التلفظي .18
ب-تحديد سياق خطاب رواية “أديب“:
تتداخل مجموعة عناصر محدَّدة في تشكيل سياق خطاب طه حسين في هاته الرواية ، و لعل من أبرزها طبيعة العلاقة التي تربط بينه كمرسل و بين شخص “أديب” كمرسل إليه أو كمتلقي و شخص القارئ بعد ذلك بشكل عام ، مع العلم أن عنوان الرواية الذي صِيغَ بوصف “أديب” ما هو إلا دلالة على صديقه الحميم الذي شاركه فترات من حياته بحُلوها و مُرِّها فأَبَا طه حسين إلا أن يهديه هذا العمل الروائي المتميز كعُربون محبة و إخلاص لما يربط بينهما من وشائج الصداقة و الإخاء ، و من ثمة فيمكن الحكم على طبيعة هذه العلاقة بالإيجابية ما دامت تتجسد في كون الكاتب يخاطب صديقه حينا و يحكي عنه أحيانا أخرى بكل ما تبادر له من تصرفاته و حركاته و سكناته ، حتى ليبدو للقارئ أن الشخصيتين المحوريتين في هذا العمل قد بلغا درجة التطابق في كثير من اللحظات.
و لعل من أبزر عناصر السياق أيضا نجد زمان و مكان خطاب الرواية ، و في هذا نسجل تعدّد الأزمنة و الأمكنة تبعا لتعدّد المواقف و الأحداث التي يحكي عنها طه حسين بين حاضرٍ راهنٍ ، و ماضٍ منصرمٍ و مستقبلٍ آتٍ ، و تتحكم في ذلك طبيعة الفعل الوصفي و السردي الذي يغلب على أسلوب خطاب الرواية و الذي يتماشى مع الأحداث تباعاً ، تماما كما نجد المكان الذي تجري فيه أحداثها يتنوع بين فضاءات متعدِّدة من قبيل الجامعة و المدرّج تحديدا ، ثم البيت و حتى الشارع حيناً ، إذ يقول  و قطعت بنا العربة أحياءً مختلفة، و مضت بنا في أجواء متباينة، و كنت أحس اختلاف الأحياء ، و تباين الأجواء فيما يصل إلي من أصوات الناس و حركاتهم ومن اضطراب الأشياء من حولنا، كما كنت أحس ذلك في سير العربة نفسها و في لهجة السائق و هو يدفع الناس أمامه و يطلب إليهم أن يتنحوا له عن الطريق أو أن يجنبوا أنفسهم خيله وعربته).19
و لكن الفضاء العام الذي يطبع سير أحداث الرواية يبقى موزّعا بين فرنسا و مصر، أو لنقل القاهرة و باريس تحديدا بحكم الفترة التي قضاها طه حسين مع صديقه في رحاب الجامعتين المصرية و الفرنسية و التي غلبت بأحداثها على طابع و مسار الرواية .
1-4)
المقاصد:
يتوخى المرسل دوما من خلال خطابه أهدافا و مقاصد محدّدة و متنوعة تبعا لتنوع الظروف السياقية المحيطة بالعملية التخاطبية ، و هو في ذلك يتبع خططا معينة يرى كونها كفيلة بتبليغه قصده من وراء توجيه الخطاب نفسه للمتلقي ، و يتبين من خلال خطاب “أديب” لطه حسين أن المقصد الأول من وراء كتابة هذا العمل مبين في عتبة الإهداء ، وهو الوفاء لذكرى الصداقة حيث يهدي عمله إلى أعز صديق لديه (أديب) والذي كان بجانبه يواسيه عندما طرد من الجامعة ظلما، وكان أيضا من المهنئين الأوائل عندما أعيد المؤلف إلى الجامعة ليستكمل التدريس فيها . لذلك فالإهداء المثبت في أول الكتاب هو إهداء الصداقة والأخوة وميثاق الوفاء والإخلاص بين المهدي والمهدى إليه . ويرد الإهداء هنا في شكل نص مقطعي تحية للمهدى إليه مليئة بالصدق والمحبة والإخاء والإخلاص ، و ليتبين ذلك نتأمل في قوله (((“أخي العزيز. وددت لو أسميك و لكنك تعلم لماذا لا أسميك ، و حسب الذين ينظرون في هذا الكتاب أن يعلموا أنك كنت أول المعزِّين لي حين أخرجني الجور من الجامعة ، و أول المهنِّئين لي حين ردني العدل إليها. و كنت بين ذلك أصدق الناس لي ودا في السر و الجهر وأحسنهم عندي بلاءً في الشدة و اللين . فتقبّلْ مني هذا العمل الضئيل تحية خالصة صادقة لإخائك الصادق الخالص…”))).20
إلا أن المتمعّن في خبايا الخطاب الروائي لطه حسين في هذا المؤلف ، و الظروف التي أحاطت بإنتاجه يدرك وجود رهانات أخرى يصبو المؤلف لتحقيقها من خلال المتن الروائي ل”أديب” ، و ذلك من خلال قصده إلى الكشف عن كون الكثير من المثقفين العرب في بداية القرن العشرين انبهروا كثيرا بحضارة الغرب وانساقوا وراء نزواتهم وكانت رؤيتهم بالتالي للغرب على أنه رمز للحرية والعلم والتقدم والإشباع الغريزي لكل المكبوتات الدفينة ، وهذا ما عبرت عنه الكثير من الروايات العربية كرواية “الحي اللاتينى” لسهيل إدريس و”موسم الهجرة للشمال” للطيب صالح و”عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم و”الأيام” لطه حسين و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي . ومن ثم ، تصور هذه الرواية ذلك الصراع الحضاري بين الشرق والغرب ، والتقابل بين عالم الكبت وعالم التحرر، وبين عالم التخلف وعالم التقدم ، وبين الانحطاط الحضاري والرقي المدني . لذلك كان ينظر الأديب إلى مصر وزوجته حميدة بنظرة تغاير نظرته إلى عشيقته فرنند وفرنسا. إذاً ، هناك جدلية وتفاوت بين هذين الفضاءين حتى إن الأديب لم يرتض العودة إلى بلده لما قامت الحرب على فرنسا ، وكان يتمنى الدفاع عن هذا البلد في وجه النازية ؛ لأن هذا البلد يقترن في ذاكرته بالحب والحرية والإشباع الشبقي، أما بلده فيقترن بالكبت والحرمان وصعوبة المسؤولية .
فالواضح من هذا كله أن للكاتب مقصد مباشر يتمثل في مواساة صديقه و التخفيف عنه اعترافا بفضله واستحضارا لقيمة الروابط المتينة التي تجمعهما، و المتمثلة في تلك العلاقة الحميمية التي ألفت بينهما لفترات طويلة . و مقصد غير مباشر ينحو في اتجاه تصحيح معتقدات كثير من المثقفين العرب الذين جعلوا الغرب وجهةً صوب أعينهم و حقّروا من قيمة أوطانهم فلم يضعوا في الحسبان ما قد تؤول إليه أوضاع المندفعين منهم بهذه الشهوات الغريزية المنحرفة ، و التي تنطلق من أسس و مرتكزات مغلوطة سعى الكاتب إلى الكشف عنها في قالب روائي متناهي الدقة و محكم البناء ..

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *