الثقافة السياسية

المقدمة
لكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين أبنائه، تلك الثقافة التي تطورها مجموعة القيم والمفاهيم والمعارف التي اكتسبها عبر ميراثه التاريخي والحضاري وواقعه الجغرافي والتركيب الاجتماعي وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي، فضلاً عن المؤثرات الخارجية التي شكلت خبراته وانتماءاته المختلفة. والثقافة السياسية هي جزء من الثقافة العامة للمجتمع.. وهى تختلف من بلد لآخر حتى لو كان شعباه ينتهجان نفس الأساليب الحياتية، وينتميان إلى نفس الحضارة، ويتقاسمان الاهتمامات والولاءات.
تعريف الثقافة السياسية
يقصد بالثقافة السياسية مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شؤون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة. وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم. ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية، وينقل كل مجتمع مجموعة رموزه وقيمه وأعرافه الأساسية إلى أفراد شعبه، ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسي بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وحقوقهم وواجباتهم نحو ذلك النظام السياسي. ولما كانت الثقافة السياسية للمجتمع جزءاً من ثقافته العامة، فهي تتكون بدورها من عدة ثقافات فرعية، وتشمل تلك الثقافات الفرعية: ثقافة الشباب، والنخبة الحاكمة، والعمال، والفلاحين، والمرأة.. الخ. وبذلك تكون الثقافة السياسية هي مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التي تعطى نظاماً ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التي تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسي، وبذلك فهي تنصب على المثل والمعايير السياسية التي يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسي، والتي تحدد الإطار الذي يحدث التصرف السياسي في نطاقه. أي أن الثقافة السياسية تدور حول ما يسود المجتمع من قيم ومعتقدات تؤثر في السلوك السياسي لأعضائه حكاماً ومحكومين. 
 وسائل الثقافة السياسية
وسائل الإعلام الجديد تسهم في تشكيل «ثقافة سياسية» للشباب
كشفت دراسة مسحية وصفية أن غالبية طلاب جامعة الملك سعود لديهم اهتمام متوسط بالأمور والقضايا السياسية، ويحرصون على تثقيف أنفسهم بالمعلومات السياسية المحلية والعربية والدولية، وأن وسائل الإعلام الجديد أسهمت بشكل كبير في تشكيل ثقافة سياسية متزنة لديهم، وأن أبرز أنماط استخدامهم لوسائل الإعلام الجديد تتمثل في: الاستخدام بشكل متقطع أو دائم، وأنهم يقضون ما بين نصف ساعة إلى ساعتين في تصفح وسائل الإعلام الجديد يوميا.
كما أظهرت أن معظمهم يستخدم «اللاب توب» و«الكمبيوتر الشخصي» وجهاز «I pad» وأجهزة «Galaxy» في الدخول إلى الانترنت ومن ثم إلى وسائل الإعلام الجديد، وأن دخولهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي يتم من خلال حساباتهم الخاصة على هذه المواقع، حيث يمتلك معظمهم حسابات في موقع «تويتر twitter» وموقع «يوتيوب you tube» وموقع «فيس بوك face book»، وأظهرت الدراسة أيضا أن العوامل التي تجذبهم لاستخدام وسائل الإعلام الجديد تتمثل في مساحة الحرية المقدمة والاستقلالية والشفافية والتنوع والحيادية.
أثر الثقافة السياسية على النظام السياسي بالمغرب
يحتاج أي نظام سياسي إلى وجود ثقافة سياسية تغذيه وتحافظ عليه. فالحكم الفردي توائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها في الخوف من السلطة والإذعان لها، وضعف الميل إلى المشاركة، وفتور الإيمان بكرامة وذاتية الإنسان، وعدم إتاحة الفرص لظهور المعارضة. أما الحكم الديمقراطي فيتطلب ثقافة تؤمن بحقوق الإنسان، وتقتنع بضرورة حماية الإنسان وكرامته في مواجهة أي اعتداء على هذه الحريات، 
ان المتأمل في المشهد السياسي المغربي، لطالما استوقفته مجموعة من الملاحظات ، والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
– أحزاب سياسية ذات برامج سياسية مهمة من حيث الكم وضعيفة من حيث الكيف، الأمر الذي لطالما أثر سلبا عن نسب المشاركة السياسية ومن ثمة على تقدم مسلسل التنمية المغربية
– تجذر ظاهرة عدم الاكتراث السياسي داخل مجتمعنا المغربي، مما كرس لتعاظم معضلة العزوف السياسي والتي جعلت المشهد السياسي مليئا ببعض الوجوه المستهلكة والتي لا يهمها الا التناحر من أجل مصالحها الخاصة
– تنامي نسب عدم ثقة المواطن في الفعل السياسي، مما تمخض عنه فقدان بلادنا لطاقات شابة كان من الواجب الاهتمام بها عن طريق تأطيرها وتتبعها من قبل الأحزاب السياسية التي تتلقى دعما ماليا مهما من الدولة للقيام بهذه الوظيفة
– عدم اشراك الأسر، المدارس والمؤسسات الجامعية في تنمية الحس المواطن لدى المغاربة وخاصة الشابات والشبان، الأمر الذي انعكس سلبا على نسبة الشعور بالانتماء الوطني لديهم وجعل منهم ببغوات للفكر الغربي المليء بالتناقضات الفكرية التي لا تتلاءم البتة مع واقعنا المجتمعي الاسلامي المحافظ، ومن ثمة ظهر لدينا ما يمكن أن نصطلح على تسميته بالانحراف أو التيه السياسي الذي لم ولن يخدم التقدم المغربي في شيء
– سيادة أفكار سياسية تقليدية متحجرة في ظل عصر التقدم التكنلوجي المشروط بالسرعة والجودة
– اختراق الأحزاب السياسية من قبل لوبيات جعلت من هذه المؤسسات مرتعا خاصا لها، جلبت اليه مجموعة من اللاهتين وراء سراب المناصب والاكراميات ضاربة بذلك عرض الحائط تحقيق الأهداف النبيلة التي خلقت من أجلها هذه المؤسسات ، هذا الوضع دفع بجل الباحثين الأكاديميين أو السياسيين الديمقراطيين مغادرة الساحة السياسية ليس خوفا منها ولكن احتراما لذواتهم وأفكارهم التواقة الى بناء مغرب تنموي تسود فيه الممارسة السياسية الحقة والمبنية على التداول ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب ومن ثمة ابرام عقد مصالحة سياسية بين المواطن ومنظومته الحزبية
– سيادة معطى القطيع داخل المشهد السياسي المغربي، فكيف لجاهلي أدنى مبادئ الممارسة السياسية بأن يقدموا للناخب ما يطمح اليه، وكيف لباحث أكاديمي خريج الجامعات المغربية والمتخصص في علم السياسية بأن يجد مكانه بين من أصبحوا يهتفون بشعارات لا يعرفون حتى مرماها ، لا لشيء الا لأنهم يتعاقدون مع من هم أضعف منهم من أجل تحقيق ماربهم الضيقة، ومن ثمة فمن يعارضهم يجد نفسه يغرد خارج السرب المليء بخفافيش الظلام والتي لا تتلاءم البتة مع أنوار الربيع الديمقراطي
– شباب تواق الى التغيير الايجابي ، الا أنه لا يجد من يأخذ بيده الى جادة الطريق الصحيح، والذي يتمثل بالأساس في تمكينه من الاليات الكفيلة بتغذية فكره بغية التعبير عن أفكاره بطريقة سياسية صرفة يتم من خلالها الاعتماد عليه من أجل تلقينها للآخر الخ…..
مما سبق، يمكننا الجزم بأن الثقافة السياسية لازالت غائبة تماما لدى شريحة عريضة من المواطنات والمواطنين المغاربة وخاصة الشباب منهم اناثا وذكورا، مما كرس دائما لتعاظم ظاهرة الغياب السياسي المقرون بفقدان الثقة في الأحزاب السياسية ومن خلالهم الساسة.
خاتمة
ان المغرب الذي يزخر بإمكانات جغرافية اقتصادية واجتماعية وثقافية، ليمكنه من الارتقاء بمسألة التثقيف السياسي الى أحسن مستوى، الأمر الذي يتطلب معه تظافر جهود كل فعاليات المجتمع، وذلك اعتبارا من احتلال بلادنا للمرتبة الأولى من حيث التضامن والتكافل الاجتماعي ، هذا الترابط الذي قل نظيره في مجموعة من الدول الجارة والصديقة ، ليمكننا استثماره من أجل النهوض بثقافة سياسية تجمع بين الماضي الحاضر والمستقبل، ثقافة يشارك الجميع في تنزيلها على أرض الواقع، بترسيخها داخل الأوساط المغربية، وذلك اعتبارا من الواجب الوطني يحتم علينا جميعا المشاركة جنبا الى جنب من أجل الدفع بعجلة التنمية والرقي بها الى أحسن المستويات.
انه من غير الممكن الوصول الى تحقيق ثقافة سياسية صحيحة في معزل عن توفر شرط الايمان المواطن بضرورة التغيير، ومن هذا المنطلق فلما لا نجعل من التثقيف السياسي عنوانا للتغيير.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *