قرائة ثانية لشعرنا القديم تحليل وتلخيص الفصول


تحليل الفصول

الفصل الثاني: حلم المستقبل
تأكد بالملموس في هذا الفصل – وفق ما قلناه سابقا- اعتماد الناقد في قراءته على الدراسة النظرية والتطبيقية. إذ ينطلق الناقد مصطفى ناصف في الشق النظري، ليؤكد ويصرح بأن العمل الذي يقوم به عمل ممتع يخلو من الرتابة والملل، كونه يبرهن على ما يقول من خلال العمل التطبيقي.
إن الأدب العربي الجاهلي كان له الفضل على باقي الآداب العربية الأخرى. وإنه أثناء رحلته مر بمجموعة من العصور (الجاهلي، الإسلامي، الأموي، العباسي، الحديث ثم المعاصر)، وفي كل هذه المراحل وجدناه مصبوغا بصبغة البيئة الصحراوية المحتضنة له، فحصل لهذا الأدب اكتمال ونضج في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية. إن صفة الكمال والنضج المتوفرة للأدب الجاهلي جعلت الأدب العربي ينهل منه في مناخات مختلفة.
يطرح د.ناصف قضية أساسية تتمثل في فهم الشعر الجاهلي، فلا يمكن أن نفهم هذا الأخير إلا بربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني، وعصره الاجتماعي، والنظر إليه كظواهر جماعية وثقافية وحضارية، رافضا تلك الأحكام التقصيرية الانطباعية التي التصقت بالشعر الجاهلي معتبرة إياه وثيقة شاهدة على فلسفة التاريخ، والإنسان في صراعه الأنثروبولوجي مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت.
الشعر الجاهلي لا يخلو من مظاهر التعبير عن البيئة المحتضنة له، فهو يعبر عن الازدهار الثقافي، والسياسي، والأدبي،كما يستبعد الناقد كون مصطلح “الجاهلي”؛ بمعنى الجهل والتخلف الثقافي وانعدام الكتابة؛ بقدر ما تدل الكلمة على سرعة الغضب والطيش يقول د.ناصف”… وهو يعني بعبارة أخرى الاستعداد للغضب والثورة والتمرد وتكتنفه فكرة الحمق والتعصب والنزوات والخروج على النظام…” ونلاحظ أن مفهوم الجاهلية مفهوم إسلامي أتى ليدل على المفاهيم السابقة التي تعاكس مضامين الرسالة السماوية.
يفند الناقد ما ذهب إليه الباحثون المعاصرون الذين ربطوا الشعر الجاهلي بالصحراء والبداوة، والانتقال من فكرة إلى أخرى دون رابط، زيادة على سذاجة هذا الشعر وواقعيته، وبساطته، وسطحية أفكاره، دون التعمق في الأشياء؛ يقول د.ناصف:” … ذلك أني لا أوافق على أن يكون الشعر القديم انعكاسا مباشرا لفكرة البداوة. – يقولن مثلا – إن بكاء الأطلال معناه ببساطة أن العرب قوم رحل، تعتمد حياتهم على التنقل. وفي كل مكان يتركون وراءهم ذكريات خاصة، أما شعر الحروب فواضح عندهم – دلالته على الدمار الذي يهب لأدنى ملابسه في البادية…” ويقول أيضا:”… لأن حياة العصر القديم أعمق مما يجري على أقلامنا حتى الآن؛ وقد شهد هذا العصر صراعا روحيا قويا، لم يقدر تقديرا ملائما. وإن نشأة الإسلام العظيم في نهاية هذا العصر، لا يمكن أن نهون من دلالتها ومغزاها … إننا أمام عصر يضطرم فيه القلق ويبلغ ذروته. إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدأ الإنسان ومنتهاه، ومصيره، وشقائه، وعلاقته بالكون…”.
بعد هذا الفرش النظري انتقل لدراسة الأطلال نصيا وتطبيقيا، من خلال استحضار قصيدة للشاعر زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة، معتمدا على نظرية كارل يونغ في تأويل القصيدتين، ليتوصل إلى أن ظاهرة الأطلال ظاهرة جماعية، وليست فردية، تعبر عن الأنماط الثابتة في العقل الباطني واللاشعور الجمعي.
إن الأطلال ظاهرة فنية قائمة على التكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر راسخة لدى شعوب شبه الجزيرة العربية. إنها إذا التزام جماعي وعادة مشترك بين الشعراء تعبر عن العلاقة الإنسان بالزمان والمكان وجدانيا وقدريا، على الرغم من أن هذه الأماكن ليست فردية، ولا تجارب شخصية، بل لها بعد جماعي طقوسي.
يقول امرؤ القيس:        قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ — بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
                            فَتُوْضِحَ فَالمِـــــــقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُـــــــها — لِمَا نَسَجــــــَتْهَا مِـــــنْ جَنُوبٍ وشَمْــــألِ
يقول زهير بن أبي سلمى :        أُمِّ أَوْفـــــــــَى دِمْــــــنَةٌ لَــــــــمْ تَكَلَّـــــــمِ —  فِحَــــوْمــــــــانَـــــــــة الدُّرَّاجِ فَالْمُتَثـــــَلَّـــــــــمِ
                            وَدارٌ لَهـــــــــَا بِالرَّقْمَتــــــــــَيْنِ كَأَنَّهَا —  مَراجِعُ وَشْـــــــمٍ في نَواشِـــرِ مِعْصَـــــمِ
يقول طرفة بن العبد:         لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ —  تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
ويقول عنترة:             هَل غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِن مُتَرَدَّمِ  — أَم هَل عَرَفتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ؟
من هنا نجد مصطفى ناصف يؤكد على أسطورية الأطلال ضمن رؤيته المنهجية أو الأنطربولوجية التي تتجاوز التحليل النفسي إلى سيكولوجيا اللاشعور الجمعي، فالطلل في الشعر الجاهلي مرتبط بمجموعة من الرموز الأخرى، كالضعائن، والوشم، والكتابة، والطير، والنخيل…، إنه الأم الولود التي لا ينضب خصبها، فلا يمكن فهم الظاهرة وتفسيرها أسطوريا إلا بربطها بهذه الرموز التي لا تنفك أن تكون دعما لفكرة الوعي الجماعي المتصل لدى شعراء شبه الجزيرة العربية.
 فهل الطلل الوحيد المعبر عن أسطورية الشعر الجاهلي؟
الفصل الرابع:الناقة الأم
تناول الناقد بالدراسة والتحليل في هذا الفصل سمة الناقة الأم وما تحمله من دلالات، شأنها شأن الفرس وباقي الحيوانات التي لاقت اهتماما كبيرا من لدن الشاعر الجاهلي، وهي تحيل في عمقها إلى مظاهر النمو العقلي والروحي في هذا الشعر.
إن الناقة كحيوان رمز يحضر في الشعر الجاهلي وقصائده بشكل مكثف، وليس غريبا أن تعنى القراءات النقدية القديمة والجديدة بصورة هذا الحيوان.
إن تركيز الناقد على أحد شعراء العصر الجاهلي ثعلبة الخزاعيكان بهدف الكشف عن الأبعاد الرمزية واللاشعورية للناقة في البيئة الجاهلية، هذه الأبعاد حولها الشاعر إلى صورة جماعية؛ مما يعني أن وصف الناقة إنما هو تعبير عن حالة نفسية مضمرة في بواطن اللاوعي الجمعي، يقول الشاعر: 
وَإِذا خَليلُكَ لَم يَدُم لَكَ وَصلُهُ فَاقطَع لُبانَتَهُ بِحَرفٍ ضامِرِ
وَجناءَ مُجفَرَةِ الضُلوعِ رجيلَةٍ وَلَقى الهَواجِرِ ذاتِ خَلقٍ حادِرِ
تُضحي إِذا دَقَّ المَطِيُّ كَأَنَّها فَدَنُ اِبنِ حَيَّةَ شادَهُ بِالآجُرِ
إلى أن يقول:
طَرِفَت مَراوِدُها وَغَرَّدَ سَقبُها بِالآءِ وَالحَدَجِ الرِواءِ الحادِرِ
يصنع الشاعر للناقة صفات من صنع العقل والإبداع، فهي قوية صلبة اجتمعت فيها صفات متعددة:”…وجناء، صلبة، عظيمة الضلوع، سريعة الخطو تستطيع أن تسير في الهاجرة دون أن يصيبها أذى، أشبه بقصر بناه رجل بالجص، تقاوم التغيرات، تتكون مما يشبه العمد، سليمة البدن، قادرة على حل المشكلات”. 
وهذه الصورة حسب المؤلف خيالية صنعها العقل والإبداع، ومن خلال تلك السمات أمكن إعطاؤها صفة الأمومة؛ لصبرها، وقدرتها، ورغبتها في استمرار الحياة كاستمرارية النخلة في أذهان العرب.
إن الناقد يقدم لنا نماذج شعرية لرمزية هاته الناقة عند امرئ القيس، هي مفتاح الخير، والرحمة، والبركة. في حين نجد من الشعراء من صورها للمعاناة، والعذاب، والعقاب، بل حتى للصراع، والحرب. خصوصا عند الشاعر زهير بن أبي سلمى الذي يستحضر صورة ناقة صالح عندما اقترنت بالحمار الوحشي. هي رمز للهموم والقلق عند الشاعر المثقب العبدي، ورمز للعمل والحركة الدائبة عند الشاعر عبدة ابن الطبيب.
يقول زهير: 
       وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتمْ وَذُقْتُمُ       وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
       مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً           وَتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
        فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها           وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
    فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم          كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
يبرز الشاعر في هذه الأبيات أن الحرب ليست إلا كما عهدتموها وجربتموها ومارستم كراهتها، وما هذا الذي أقول بحديث مرجم عن الحرب، أي هذا ما شهدت عليه الشواهد الصادقة من التجارب وليس من أحكام الظنون. ليستحضر بعد ذلك الناقة التي تعقر وكأنها دلالالة على الدمار والهلاك، رغم رمز الخصب وتجدد الحياة فيها.
لينتقل بعدها مصطفى ناصف لدحض فرضية الاستطراد في قصة الناقة، وصلتها بالنخل أو الحمار الوحشي أو الظليم (ولد النعام)، بل يرى أن الصورة التي ترسخت في ذهن الشاعر إنما هي جزء من الحياة الجاهلية التي تدعو للعمل على اعتبار أنه المخرج من سجن الخيال والحلم والانفصال – على حد تعبير الناقد- وهو التصور المحاكي لعالم الناقة.
مما سبق يتبين أن الناقد في هذا الفصل يحلل صورة الناقة على غرار صورة البطل، فإذا كانت أسطورية الفرس تتجسد في الشعر الجاهلي كأب، فإن رمزية وأسطورية الناقة جسدها كأم من خلال ذلك الصراع المأساوي والتوتر الدرامي الذي عاشه الإنسان في ذلك العصر من تمزق ذاتي وموضوعي، بين اللاشعور الفردي واللاشعور الجمعي، في قصائد تعبر عن وجود الإنسان داخل نمط حياة بكل أبعادها المادية والروحية.
فماذا عن الأرض الظامئة؟ وما المنظور الأسطوري فيها حسب الناقد؟
الفصل الخامس: الأرض الظامئة.
إن قراءة في العنوان تجعلنا نفترض سلفا الموضوع أو القضية التي سيعالجها الناقد في هذا الفصل، فالأرض الظامئة في حاجة للمطر ليروي عطشها ويسد رمقها، وبذلك يكون ناصف يواصل رحلته الأسطورية في شعرنا الجاهلي.
إن الناقد في هذا الفصل يقف عند صورة المطر منطلقا من أن امرؤ القيس يعتبر أول من تطرق لهذه الفكرة في الشعر الجاهلي-كما هو الحال لصورة الفرس-، ومرة أخرى استطاع هذا الشاعر أن يشغل عقول الشعراء الذين أخذوا على مسؤوليتهم إتمام بناء صورة المطر التي بناها امرؤ القيس. فباتوا من بعده يقيمون للمطر بناء كبيرا، هذا وقد خضعت هذه الفكرة للتحوير من شاعر لآخر، مع الحرص على صورة المطر عند قائد الشعراء حتى تبقى صورته خالدة.
يعود د.ناصف للتذكير بفكرة الدمار، والتي ترتبط بالمطر مشيرا إلى امرئ القيس بقوله:
ومَـــــرَّ عَلَى القَنَـانِ مِنْ نَفَيَانِـهِ          فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْـزِلِ
وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَـةٍ          وَلاَ أُطُمـاً إِلاَّ مَشِيداً بِجِنْـدَلِ
لم يكن عاشقا للدمار محاولا إفراغ مفهوم الدمار من دلالته القدحية  إذ يقول الناقد:”ولم تكن نفس امرئ القيس –الشاعر- من هذا النوع الذي يرتاح لرؤية العذاب يجب أن نبرئ شعر امرئ القيس من شهوة العذاب والدمار”. وفي هذا الإطار يقدم نماذج شعرية لمرئ ألقيس، يصف فيها البرق (أبيات ص 126 )، ويعكف على شرحها شرحا وافيا يكشف فيها عن فكرة المطر وولادته، رابطا إياه بفكرة الرهب فالمطر يبقى استجابة لدعائه مشيرا إلى ضرورة الإشارة إلى تلك العلاقة الوثيقة بين الراهب وفكرة المطر.
المطر في شعر امرئ القيس لا يشكل فقط شيئا عاديا، وإنما هو بحث في الوجدان كما يقول الناقد: “ولعل هذا كله يكفي لكي نقول إن المطر الذي شغل به امرؤ ألقيس بعيد عن صورة الدمار، بل كان في الوقت نفسه أشبه ببحث وجداني صعب قاس، يحتاج إلى تضحيات وفداء وعذاب، ولكنه يستأهل  كل ما يبذل فيه من خوف وولاء معا”
بعد هذا كله ينتقل الناقد إلى الحديث عن فكرة المطر بعلاقتها مع الفرس والناقة والسحاب والكلب، فالسحاب يدنوا من الأرض لينفق عليها ويعطيها فرحة النمو (ص130)، حينما أورد كلاما للشاعر عمرو بن الأهتم،إذ يقول:
وَمُستَنبِحٍ بَعدَ الهُدوءِ دَعوَتُهُ وَقَد حانَ مِن نَجم الشِتاءِ خُفوقُ
يُعالِجُ عِرنيناً مِنَ الليلِ بارِداً تَلُفُّ رياحٌ ثَوبَهُ وَبُروقُ
تَأَلَّقَ في عَينٍ مِنَ المُزنِ وَادِقٍ لَهُ هَيدَبٌ داني السَحابِ دَفوقُ
أَضفتُ فَلم أُفحش عَلَيهِ وَلَم أَقُل لِأَحرِمَه إِنَّ المَكانَ مَضيقُ
      لقد قارن نباح الكلب بالمطر، فالنباح هو صوت الأرض إلى السماء رغبة في المطر، أما عنترة فربط المطر بثغر المحبوبة معتبرا إياه روضة لم تطأها قدم في حاجة ماسة إلى المطر لتحيى فيها الحياة، يقول
وكَـأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيمَـةٍ           سَبَقَتْ عوَارِضَها إليكَ مِن الفَمِ
أوْ روْضـةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَـا        غَيْثٌ قليلُ الدَّمنِ ليسَ بِمَعْلَـمِ
إلى أن يقول:
هَزِجـاً يَحُـكُّ ذِراعَهُ بذِراعِـه          قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ
وآخر ما يمكن قوله في نهاية هذا الفصل، فالناقد مصطفى ناصف يحاول تجسيد ظمأ الأرض، واحتياجها إلى المطر، لإخصابها، وجعلها معطاءة كقدسية تلك الناقة المتجذرة في أسطورية الشعر الجاهلي من خلال تلاوينها المتعددة في اللاشعور الجماعي القديم.
ملخص الفصول
أ‌- الفـــصـــل الأول: الإحســـــــاس بالتــــــراث:
يرى الدكتور مصطفى ناصف أن الأدب العربي القديم – يقصد به الأدب الجاهلي- يتميز بصفائه ونقائه لكونه بقي بعيدا عن المؤثرات الفارسية واليونانية والهندية. ووصلنا هذا الأدب ناضجا ومكتملا وثابتا بأصوله الفنية التي صارت فيما بعد قواعد للكتابة الشعرية والإبداعية بعدما أن نزل القران الكريم بلغة هذا الأدب الرائع في شعريته وكتابته النثرية. وقد عمل القرآن على تهذيب لغة الشعر الجاهلي وتنقيتها وصقل بيانها وتطعيمها بألفاظ دينية وروحية. وقد حارب النقاد القدماء الشعراء المحدثين الذين يريدون أن يتمردوا عن بنية القصيدة الجاهلية التي صارت معيارا للاحتذاء والتقليد بعمودها الأصيل الذي يثبت مجموعة من القواعد الدلالية والفنية التي لا ينبغي الخروج عنها كما أسهب في شرحها المرزوقي في مقدمة ديوان الحماسة لأبي تمام. ويشكل هذا العمود الشعري الأساس الحقيقي لكل شعرية عربية على غرار القران الكريم والسنة النبوية اللذين يمثلان مصدرين أساسيين للتشريع والعمل.
ولقد واكب النقد الكلاسيكي تطور الشعر العربي من خلال مدارسة الشعر القديم والحديث من خلال ربط الماضي بالحاضر ومقارنة القيم القديمة والجديدة والبحث عن مواطن التقليد والتجديد. واعتبر الشعر الجاهلي مصدرا ومنبعا للشعر العربي قاطبة، ودرعا واقيا صامدا في وجه التيارات الثقافية والحضارية القادمة إلى ساحة الفكر العربي وإبداعه ضمن حركية المثاقفة و جدلية الاحتكاك الثقافي و الحوار الحضاري بين الشعوب.
وقد ناقش مصطفى ناصف ماذهبت إليه مدرسة الديوان إبان عصر النهضة مع عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني التي كانت تنطلق في فلسفتها من التوجه الرومانتيكي الغربي معتمدة على الحرية وتقديس الذات الفردية والتغني بالبطولة الفردية و الحرية القومية. وكانت لا تعد بشعر لايعكس ذات صاحبه وجوانيته الداخلية ومشاعره الباطنية . أي إن الشعر عند مدرسة الديوان هو شعر الشخصية والوجدان والشعور الداخلي والإحساس بالجمال النابع من الروح. وبما أن شعر شوقي كان شعرا غيريا ولا يعكس روحه الشخصية وحياته الفردية، فقد هاجمه العقاد هجوما عنيفا ونفى عنه إمارته الشعرية من خلال نقد ه لقصيدة “الربيع” التي اعتبرها العقاد قصيدة سطحية لاروح فيها ولا معنى. وهذا الصراع في الحقيقة ما هو إلا صراع مذهبي وفني ، صراع بين مدرستين أدبيتين : المدرسة الكلاسيكية التي كانت تهتم كثيرا بالغير والآخر، والمدرسة الرومانسية التي كانت تؤمن بالفرد والقلب والعاطفة والطبيعة والحرية الإنسانية.
وعليه، فإن مدرسة الديوان تقصي الماضي الشعري و الإبداع التراثي، لأن الأدب القديم صار عاجزا وقاصرا عن العطاء والتجديد بالمقارنة مع الحاضر الذي يتطلع إلى الإبداع والحداثة الشعرية اعتمادا على مقاييس الشخصية والذات والروح الفردية. وعندما عاد زعماء الديوان إلى التراث الشعري القديم لنقده وغربلته، فإن همهم الوحيد هو البحث عن القمم الفردية التي تغنت بشعر الشخصية والحرية الذاتية و خاصية التحول كما فعل أبو نواس الذي ثار على بنية القصيدة الجاهلية التقليدية وابن الرومي الذي عبر كثيرا عن ذاته الشخصية المتأزمة. وأبعد هؤلاء النقاد كل شعر يلتزم بالقبيلة والتغني بالروح الجماعية واعتبروه شعرا رديئا غير مطبوع فيه صنعة وتكلف. ويعني هذا أن كل شعر غير ذاتي يقصى ويعد مصنوعا لاقيمة له ولا جدوى منه مادام لايعكس شخصية الشاعر وفرديته الوجودية وكينونته الداخلية. وهذا المقياس يخالف ما كان يعتمد عليه النقاد القدامى الذين كانوا يحتكمون إلى المقاييس الفنية والجمالية وليس إلى مقاييس الذات والجماعة، لذالك عد أبو نواس شاعرا عاديا ضمن المنظور الفني على الرغم من محاولته للخروج عن عمود الشعر العربي الذي بقي وفيا وأسيرا لمعاييره وأصوله الفنية الثابتة. ويعني هذا أن النقاد القدامى اهتموا بالشعر بدلا من الشاعر كما تؤمن بذلك مدرسة الديوان التي تسعى جاهدة للبحث عن ما هو شخصي وفردي في التراث الشعري القديم. بيد أن هذه المدرسة لم تجد ماكانت تبحث عنه من تجارب شعرية فردية بالمفهوم الرومانسي الغربي؛ لذلك تجاوزت الماضي نحو الحاضر وأدارت الظهر له. ويقول مصطفى ناصف في هذا الصدد:” إن الأستاذ العقاد لم يستطع- وسط همومه الثقافية المتزايدة- أن يشعر بأن الأدب العربي فيه كثير من أهوائه التي تتركز في عبادة الإنسان وعبادة حياته، فعبادة الإنسان عبارة موجزة تنفع في الإيماء إلى تفصيلات كثيرة إذا حللت. والأستاذ العقاد مشغول بهذه النزعة، وكل أقواله في دنيا الأدب والنقد إنما أراد بها أن يحيي فكرة الإنسان الباحث عن التجربة، المتلذذ بالوعي، الشاعر بالانتصار، الذي ينسخ كل ماعداه، الذي يأخذ من كل شيء آخر ما سلبه بلاحق. الإنسان الذي يسترد مملكته من أيدي الغيب. ومن ثم كان على التراث – في نظره- أن يستجيب لما أراد. وقد لقف قليل من الباحثين هذا التيار وبحثوا عن أصدائه في مجالات أخرى غير الشعر العربي، ووقر في أنفس الناس رأي العقاد حين يجعل القيمة صنوا لهذا النوع من التفكير، مما عداه في عالم الشعر العربي، وكل شعر آخر، كثير. فيلقى هذا الشعر في النار وقد كتبت عليه عبارة الشعر المصنوع.”
ب‌- الفصـــــل الثـــاني: حـــلــــــم المستقبـــــــل:
يقر مصطفى ناصف بأن دراسة الأدب الجاهلي عمل ممتع، وأن هذا الأدب كان له تأثير كبير على باقي الآداب العربية الأخرى. ويعني هذا أن الأدب العربي مر بعصور عدة: جاهلي، وإسلامي، وأموي، وعباسي، إلى عصرنا الحديث والمعاصر. ويعد الأدب الجاهلي المصدر والمنبع الوحيد للأدب العربي. وقد تفاعل الأدب العربي مع ظروفه وعصوره، وكانت له كثير من صفات العراقة والثبات والأصالة. وإن أوائل الأدب العربي شكلت أواخره. والمقصود بهذا أن الأدب الجاهلي بلغنا ناضجا ومكتملا في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية، بداية ناضجة شكلت منطلقا للشعر العربي ومنبعا بؤريا تنصهر فيه كل الآداب تناصا وتضمينا واقتباسا. ومن ثم، فالأدب العربي مدين في جوهره للأدب الجاهلي. ولفهم هذا الشعر لابد من ربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي. وينبغي أن يدرس لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. وقد رفض الدكتور مصطفى ناصف كثيرا من الأحكام التي ارتبطت بالشعر الجاهلي كالبداوة والفقر والجدب والحسية والمادية والأمية والتناحر والصراع والتخلف والفكر التجزيئي وتعدد أغراض الشعر الجاهلي وافتقاره للوحدة الموضوعية والترابط العضوي… بل اعتبره شعرا رائعا لا يمكن التقليل من قيمته، وأنه خير وثيقة عن فلسفة التاريخ والإنسان في صراعه الأنطولوجي مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت. كما أنه شعر مترابط ومتسق ويحمل أبعادا تجريدية رمزية إذا تعاملنا مع قضايا الشعر الجاهلي كأنماط أسطورية وأنتروبولوجية، ولا ننسى كذلك براعة شعراء الجاهليين في تصوير الأشياء براعة خارقة .
و يعبر هذا الشعر بكل صدق عن الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والسياسي الذي يتمثل في وحدة السلطة المركزية التي تتجسد في عاصمة الجزيرة العربية ألا وهي مكة. كما استبعد الباحث أن يكون مصطلح الأمية بمفهوم الجهل والتخلف الثقافي وانعدام الكتابة. فالكلمة تدل على سرعة الغضب والثورة والتمرد. وبالتالي، فهو مصطلح إسلامي أتى ليدل على المفاهيم السابقة التي تعاكس مضامين الرسالة السماوية التي تدعو إلى التمسك بأمهات الأخلاق والفضائل النبيلة.
إن مصطفى ناصف يفند جملة وتفصيلا ماذهب إليه الباحثون المعاصرون الذين ربطوا الشعر الجاهلي بالصحراء والبداوة والاستطراد والانتقال من فكرة إلى أخرى دون رابطة واضحة ناهيك عن سذاجة هذا الشعر وواقعيته وبساطته وسطحية أفكاره وعدم تعمق الأشياء. إنها “صورة هزيلة شاحبة، فالشعر الجاهلي شعر حسي غليظ يعنى بوصف المحسوسات التي يراها الشعراء أمامهم في الصحراء المفتوحة. وليس فيه- لذلك- أثر من آثار الفكر والعقل. أما إذا وجدنا شيئا نسميه الحكمة فهو لايعدو أن يكون تعبيرا عن خبرة الأيام المباشرة التي لا تحتاج إلى ثقافة. وسوف تكون كل دراسة تجري على هذا المنوال – يقول مصطفى ناصف- ضربا من التكرار غير المفيد، وسوف تكون غير مستقيمة أيضا، لأن حياة العصر القديم أعمق مما يجري على أقلامنا حتى الآن؛ وقد شهد هذا العصر صراعا روحيا قويا لم يقدر تقديرا ملائما. وإن نشأة الإسلام العظيم في نهاية هذا العصر لا يمكن أن نهون من دلالتها ومغزاها. إنها تعني – بكل اختصار- أننا أمام عصر يضطرم فيه القلق ويبلغ ذروته. إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدإ الإنسان ومنتهاه ومصيره وشقائه وعلاقته بالكون. ولكننا ننسى- كثيرا- أن ظهور الإسلام في ذاته علامة على وجود مستوى من القلق في نواحي الحياة عامة، ونظل عاكفين على فكرة الجاهلية الحمقاء. وكيف يمكن أن نفهم مكانة القرآن الكريم بطريقة منطقية مقنعة إذا دأبنا على أن نجعل الشعر الجاهلي- دون تمييز- سطحيا قريبا واقعيا خاليا من أثر القلق والصراع والنضج الأدبي”.
هكذا يصل الباحث إلى أن الشعر الجاهلي يطرح أسئلة ميتافيزيقية وأنطولوجية تتعدى دلالات الشعر السطحية إلى ماهو أعمق ومجرد فيه من خلال تفكيك رموزه المشفرة وعلاماته المسننة سيميائيا وأسطوريا. وبعد ذلك ينطلق الدارس من فرضية أساسية يشكك فيها وهي ” النظرية المتداولة التي تزعم أن الشعر الجاهلي كان ساذجا بدويا لا غور له ثم انتقل حينما اختلط العرب بغيرهم من الأعاجم إلى طور أرقى. لنقل إن الشعر الجاهلي ينافس أي شعر آخر إذا أحسنا قراءته، ولو أحسنا قراءته لبدا أمامنا وافر الحظ من العمق والثراء”
ينطلق مصطفى ناصف بعد فرشه النظري والنقدي والتاريخي إلى دراسة الأطلال نصيا وتطبيقيا من خلال استحضار معلقتي زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة معتمدا على نظرية كارل يونغ في تأويل القصيدتين وتفسيرهما ليصل بعد ذلك إلى أن الأطلال ظاهرة جماعية وليس فردية ، أي تعبر عن الأنماط العليا الثابتة الراسخة في العقل الباطن واللاشعور الجماعي. والمقصود من ذلك أن ظاهرة الأطلال تجربة فنية قائمة على التكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر جماعية، أو إنها صلاة جماعية لدى جميع الشعراء تعبر عن تقليد طقوسي راسخ لدى شعوب الجزيرة يصيغها الشاعر بطريقة رمزية وشعرية كمعادل موضوعي للواقع المادي. ومن ثم، فالأطلال التزام جماعي وظاهرة فنية طقوسية وعادة مشتركة بين جميع الشعراء. وبذلك يعبر الطلل عن صلة الماضي بالحاضر، والمكان المقترن بالطلل يمثل بؤرة انصهار الزمان. كما تشخص الأطلال علاقة الإنسان بالمكان والزمان وجوديا وقدريا على الرغم من أن هذه الأماكن ليست فردية ولا تجارب شخصية بل لها بعد جماعي طقوسي. وهكذا يقر مصطفى ناصف بأسطورية الطلل ضمن رؤيته المنهجية الأنتروبولوجية التي تتجاوز التحليل النفسي الفردي إلى سيكولوجية اللاشعور الجماعي الذي يحيل على فطرية الإنسان وثوابته المتعالية المخزنة في لاشعوره ، والمترسبة في عقله الباطن، و ليس هذا “الفن- إذاً- ضربا من الشعور الفردي الذي يعول في شرحه على بعض الظروف الخاصة بشاعر من الشعراء. وإنما نحن بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعي، إن صح التعبير، لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية. والحق أن الشعر الجاهلي- كله- يوشك أن يكون على هذا النحو، بمعنى أن مراميه فوق ذوات الشعراء. وهناك إذاً قدر من المشاعر والأفكار التي يسهم في بنائها كل شاعر كبير. والذي يلفت النظر هو أن فن الأطلال كغيره من فنون الشعر العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي؛ فالشاعر من حيث هو فنان يوشك أن يكون ملتزما، ويأتيه هذا الالتزام من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا، وكل نابغة في العصر القديم يشعر أن المجتمع يوجه أفكاره إلى حيث يريد. ولذلك يجب ألا يغيب عن الذهن أن الأطلال- والشعر الجاهلي كله- يثير التأمل في معنى الانتماء وسلطان اللاشعور الجمعي؛ فالشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملا فرديا بل يتصوره نوعا من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله
وترتبط بالأطلال فكرة الظعائن التي تشكل لحمة تناسلية وراثية مع البنية السابقة” والذي يبدو أن الظعائن بالنسبة للطلل مثل الذرية بالنسبة للأم. ومن أجل ذلك يصبح الطلل كالأم الولود التي لا يجف خصبها. وهذا الخصب ذو صور متعددة متحركة وساكنة، كالحروف والنقوش والظباء والنساء. ويبدو الطلل كأنه منبت ثقافة؛ منبت الوعي وإدراك الماضي في مضيه واستمراره معا، منبت الحاجة إلى تثبيت مركز الإنسان وسط الوجود عن طريق الكتابة. منبت إدراك قوة الخلق التي يمكن أن يتمتع بها الطلل: الطلل هو النبع الثر الذي ولد الظعائن. والظعائن نساء لا يراهن المرء، شخوصهن مخبأة خلف الأنماط والأستار. ولكن الشاعر يبحث عنهن وقد سرين في أنحاء الجزيرة ينشرن ما يشبه الود والسلام. ومن ثم تكاد تلك الظعائن تنافس فكرة الأطلال ذاتها. وغالبا ما تسير الظعائن محفوفة بما يشبه الجلال. ولكنها محفوفة أيضا بما يشبه الغموض”.
إذاًً، ترتبط الأطلال في الشعر الجاهلي بالظعائن والوشم والكتابة والبحر وركوب السفن والطير والنخيل واللعب. وتخيل الظعائن في سفن ضرب من الرؤى الجماعية التي تعبر عن مخاوف الجماعة وآمالها حين تفكر في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة عمرية وحضارية أخرى في الحياة، فالسفن سيكولوجيا تعبر عن الرغبات اللاواعية الموجودة لدى الإنسان والتي يتقاسمها مع الجماعة البشرية. أما ” الهوادج المغطاة بالثياب الجديدة المنقوشة فهي حجب تحول دون التطلع إلى الظعائن ليصبحن أقرب إلى الأسرار، فالثياب من حيث هي زينة تشغل بجمالها أو كرمها أو رقتها كما يقول الشراح أحيانا ولكننا ما تلبث أن نفطن إلى حقيقتها فهي حجب مانعة من ملابسة السر والاقتراب منه
وترتبط الظعائن بالطير فحين ” تخف الطير بالظعائن وتضربها لأنها تحسبها لحما كما يقول الشراح، يرى الدكتور ناصف أن للصورة أغوارا بعيدة، ومناوشة الطير لا تخلو من بعض المخاوف والوساوس، فالثياب غريبة لأنها مصنوعة من الدم وفكرة الظعائن لا تتصور بمعزل عن القتال وإرادة التغيير التي تناوش عقلية الشاعر
ج- الفصــــــل الثــــالــــــــث: البــــطــــــــــل
يمتاز الشعر الجاهلي على عكس نظر كثير من الدارسين بترابط مواضيعه وأغراضه وأجزائه إذا أحسنا قراءة هذا الشعر. وبالتالي، ينفي مصطفى ناصف فكرة تعدد الأغراض وتفكك القصيدة التقليدية ويعترف بالوحدة الموضوعية والعضوية التي يتسم بها هذا الشعر.
وينتقل الدارس من فكرة الطلل إلى الفرس ليبين بأن معظم الشعراء الجاهليين وصفوا الفرس ولاسيما طفيل الغنوي الذي يلقب باسم طفيل الخيل لأنه أجاد في وصف الفرس ،وسلامة بن جندل السعدي في بائيته وهو من فرسان العرب المذكورين فقد أحسن أيضا في وصف الفرس وربطه بصورة الماء كثيرا. ولكن يبقى فريس امرئ القيس أكثر الأفراس شهرة في الأدب العربي وخاصة في معلقته اللامية التي يقول فيها:
وقد أغتدي والطير في وكناتهــــــا
بمنجرد قيـــــد الأوابد هيكــــــــل
مكر مفر مقبل مدبـــــــــــــر معــا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
لقد علم امرؤ القيس الناس كيف يصفون الفرس ويتحدثون عنه. وقد أصبح وصفه مرجعا لجميع الشعراء العرب. وارتبط الفرس عند هذا الشاعر بالسيل والسرعة والجمال الخارق والمطر المغيث،وبذلك صار هذا الفرس خالدا في ذاكرة الشعراء اقتباسا وتناصا وتقليدا و لايمكن فصل هذه المواضيع( الفرس والسيل والمطر) في الشعر الجاهلي مهما تعددت أغراضه . ويتخذ الفرس بدلالاته الرمزية في اللاشعور الجمعي طابعا أسطوريا وطقوسيا؛ لأن الفرس يرتبط في الذاكرة الجماعية والشعرية بالخير والقوة والعطاء. ويتحول قبح الفرس حينما تسيل منه الدماء إلى جمال عندما يزين الفرس بالحناء تصويرا وتشبيها، مما يضفي على الفرس بعدا جماليا. وهذا القبح الجميل موجود بكثرة في الشعر العباسي عند مسلم بن الوليد وبشار بن برد.
ويتجلى البعد الأسطوري على مستوى الفرس /الرمز في كونه يتخذ طابعا إنسانيا إحيائيا عير مجموعة من السمات كالقوة والشجاعة والكرم والعطاء والإلهام والحيوية والنشاط. ويملك الفرس هنا قدرات جنية وصوفية وباطنية كما يتبين واضحا في لامية الشاعر الجاهلي المزرد بن ضرار الذبياني الذي أسبغ على فرسه فضائل خيالية جعلت من الفرس كائنا مقدسا ،و بمثابة قائد ومعلم عظيم يمهد للناس الطريق. و” الفرس- ذلك الإنسان الكامل- صورة لما يتشبث به الشاعر أملا في المستقبل ورغبة في قدر أتم من المناعة والحصانة. إن صورة الفرس هي صورة الرجل النبيل الذي ملأته العزة والثقة…والحقيقة أن الدور الإنساني للفرس دور واضح، ويبدو للقارئ أن الفرس يستطيع بمميزاته البدنية والسلوكية أن يكشف الأمور، ويرتاد المجاهل، ويأخذ وظيفة الرائد الذي يتقدم غيره من الناس؛ فالفرس لكرمه وإصراره على أن يبذل ذات نفسه أصبح خليقا بأن يأخذ صفة السلطة ويمسك زمام الأمور. ولا يمل القارئ من الإعجاب بصورة( حيوان) يجاهد في سبيل إسعاد البشر. ومن ثم كان صوت الفرس صوتا كريما مسموعا لأنه يضيء الطريق أمام الناس. بل إن ما يسمى الذعر أو الجنون قريب من النذر وإحساس من يضيء الطريق بمخاطر الظلام.”.
د- الفصــــــل الرابــــــع: النـــــــــــاقــــة الأم:
كثير من الشعراء وصفوا الناقة وربطوها بالأطلال والرحلة والصيد، ولكن مصطفى ناصف ينظر إليها بمنظار أنتروبولوجي إذ يعتبرها ظاهرة جماعية رمزية موروثة في العقل الباطن للإنسان العربي في امتداد طفولته البدائية والفطرية والحضارية. ومن هنا فالشاعر الجاهلي يفكر في ذات المجتمع أكثر مما يفكر في ذاته الفردية. وهناك الكثير من الشعراء الفحول والمجودين الذين أحسنوا وصف الناقة. ومن النماذج التي نذكرها في هذا المجال قصيدة ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني التي يقول فيها:
وإذا خليلك لم يدم لك وصلـــه فاقطع لبانته بحرف ضامــــــر
وتعبر الناقة عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي.والناقة ماهي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوة الناقة وصبرها وتحديها لعوادي الزمن والطبيعة. وقد بذل الشعراء مجهودا كبير في استقصاء قدسية الناقة الأم عبر رصد المشبهات والصور الشعرية لتجسيد أمومتها وطابعها القدسي عند العرب. وإذا كان الفرس أشبه بالأبوة عند العرب فالناقة أشبه الأشياء بالأمومة القوية. لذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب. إنها أمومة صابرة قادرة راغبة يطبعها استمرار الحياة. كما تدل الناقة الأم على السيادة والجمال والذرية والخصوبة وهي أشبه بحاضر مستمر لا يتغير ولا يزول. ومن ثم تتمتع الناقة بالقوة الخيالية فوق البشرية. وتحضر الناقة بمثابة مفتاح للبركة والخير والرحمة ، بينما يوظفها زهير بن أبي سلمى كمفتاح للعذاب والعقاب من خلال استحضار صورة ناقة صالح. إذاً، عندما تقترن الناقة بالحمار الوحشي تصبح رمزا للصراع والحروب ، وهي أيضا رمز للهموم المقلقة عند المثقب العبدي، ورمز للعمل والحركة الدائبة عند ابن الطبيب في لاميته المشهورة. كما تعبر الناقة عن فكرة المحاولة والعمل المتلاحق.
وينكر مصطفى ناصف” فرضية الاستطراد في قصة الناقة، وصلتها بثور الوحش أو الحمار الوحشي أو الظليم، فهو يرى أن الصورة التي تتداعى في ذهن الشاعر إنما هي جزء من طقوس جليلة مقدسة.
وفي نهاية حديثه عن الناقة من خلال سينية امرئ القيس يرى الدكتور ناصف أنه ليس هناك شك إذا نظرنا في أساطير العرب في العصر الجاهلي، في أن الناقة لم تكن مجرد حيوان، فالعالم أو المتحضر قد ينظر بعقله ولكن الشعراء خاصة يحتضنون الأشياء بخيالهم وحواسهم، يعني أن الناقة كانت حيوانا مقدسا في بعض الأحيان”.
إن الناقة في الشعر الجاهلي لتعبير حقيقي عن الصراع المأساوي والتوتر الدرامي الذي يعيشه الإنسان في فترة ما قبل الإسلام بعد أن فقد الإنسان الكلية المطلقة و الوحدة الملحمية ليعيش التمزق الذاتي والموضوعي ويعرف وجوده انشطارا بين الإنسان والواقع بكل أبعاده المادية والميتافيزيقية والروحية.
هـ – الفصــــل الخامـــس: الأرض الظامـــــئــــة
بدأت صورة المطر في الشعر العربي مع امرئ القيس ، إلا أنها ستعمق وتحور مع الشعراء الآخرين. ويأخذ هذا التحوير صفة النمو. وقد كان مطر امرئ القيس من أكثر الأشياء جاذبية في الشعر العربي. وقد ارتبط المطر بفكرة الراهب المقدس وبفكرة الكرم والنبل والثغر العذب عند عنترة بن شداد وبالناقة عند سبيع بن الخطيم التيمي في فائيته:
بانت صدوف فقلبه مخطــــوف ونأت بجانبها عليك صـــــــدوف
وقد أكد مصطفى ناصف وحدة هذه القصيدة وترابطها البنيوي اتساقا وانسجاما، كما أكد ترابط صورة الناقة بصورة المطر “فبينهما علاقة وتبادل غريب. ولذلك يمكن أن يقال أولا إن الشعر الجاهلي إيقاع واحد. حقا إن فيه نغمات داخلية متنوعة، ولكن هذه النغمات تصنع إيقاعا واحدا. هذا واضح من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فنحن نجد… الناقة تضطرب في سيرها وتقدم كل نفسها بحثا عن المطر، فالفكرتان متوائمتان متزاوجتان( فكرة المطر وفكرة الناقة). ومن الممكن أن يتأمل القارئ رحلة الناقة- على الدوام- حتى يسقط المطر، وما أشبه شئون الناقة بفكرة الطقوس أو الفرائض التي تعين على الصلة بذلك المطر.”
و يجسد لنا هذا الفصل ظمأ الأرض إلى المطر وخصوبته المعطاء من خلال جدلية الماء والناقة المقدسة.
و- الفصـــــــل الســـادس: نحــــــــــــو مبــــدأ عظيـــــم
في هذا الفصل ينطلق الناقد من قصيدة الشاعر الحادرة في عينيته التي مطلعها:
بكرت سمية بكــــرة فتمتـــع وغدت غــدو مفارق لم يربــــع
إن هذه القصيدة معدودة من مختار الشعر. بدأها الشاعر الحادرة بالغزل والنسيب، ثم انتقل بعد ذلك إلى الفخر بالوفاء والنجدة ومعاناة الحروب، وحفظ الذمار، ويذكر الخمر ومجلسها، وتجشمه الأسفار، و ينهيها بوصف الناقة. وهذه القصيدة مازالت تثير إشكاليات وصعوبات في القراءة. وحينما” نقرأ القصيدة أكثر من مرة نواجه – يقول مصطفى ناصف- موقفا صعبا. وإنني أصدقك الحديث حين أقول إن شروح القدماء وما يشبهها غير كافية. وقد تكون لدى الحادرة تجارب خاصة. وقد يكون هناك ما نسميه باسم الصدق. ولكن هذه التجارب في صورتها الساذجة التي نقدمها عن القصائد خليقة بالشك. والناس يعنون بالشعر من أجل أشياء أولى وآثر من الشواغل الفردية والتجارب التي يولع بها المحروم والجائع.
و يبدو من خلال القصيدة أن الظاهرة الشعرية ليست فردية بل ظاهرة جماعية. إذ تحضر سمية في النص رمزا من رموز الذاكرة الجماعية. فالمرأة ( سمية) ترتبط بصورة الجلال والجمال والغزال والسحاب الممطر المخصب. ومن ثم، تتحول سمية إلى رمز من رموز المديح لتعلقها على الخصوص بفكرة الغزال. ويعني هذا أن قصيدة الحادرة تحمل معاني أنتروبولوجية وأسطورية رمزية عميقة ومعاني سطحية ظاهرة للناس. أي إن للقصيدة الجاهلية مستويين: مستوى ظاهري يقدم لعامة الناس ومستوى باطني ينبغي تأويله رمزيا وأسطوريا من أجل ستخلاص الثوابت المتعالية المشتركة بين جميع الناس في أشكال شعائر وفروض طقوسية.
إن سمية رمز طقوسي جماعي يحيل على انجذاب الحياة وسريان فكرة الجمال. وترخيم سمية خير دليل على قدسية سمية وعظمتها الخارقة التي تتمظهر في الازدواج الجنسي: سمية الأنثى وسمية الذكر، وهذه المفارقة مقبولة في التأويل الأنتروبولوجي.
ويدل الفخر في القصيدة على السلوك الجماعي على مستوى المعاملات والشعائر المفروضة، كما يدل مقطع شرب الفتيان للخمرة على تمثلهم بشرب الآلهة ورغبتهم في إحياء فكرة البطل وتمثيلها، وحين” يتداخل شرب الخمر ودم الغزال في البيتين” من عاتق كدم الغزال مشعشع” فهناك محاولة بدائية لشرب الدم، دم الغزال، دم سمية، وبعبارة أخرى محاولة لتقمص روحها ولأخذ شيء من قوتها السحرية أو لنقل إن الخمر كانت دائما محاولة الإنسان أن يرتد إلى وعيه الباطن، أي وعي الشاعر الباطن بوجود سمية، ذلك المبدأ الذي يبحث عنه ليكون بمرأى من الحياة.
ثم تأتي رحلة الحادرة لتشبه في رأي الدكتور ناصف شعيرة من شعائر البحث عن مبدأ في الصحراء بحث المعرض للتيه والضلال، ولكنه لا يقف وإنما يظل دائما تواقا إلى فكرة الحج باحثا عن حقيقة عن سمية، وفي ختام هذه الملاحظات يذكر الناقد بأن الفن العظيم يتميز بميزة خاصة فهو ينقل إلى كثيرين معنى سطحيا واضحا ويحفظ للقليلين بمجموعة أكمل من الأعماق وقد كانت هذه الثنائية وستظل سمة الفن العميق”
ز- الفصـــــــــل السابـــع: مشكلــــــــة المصــــــير
ينطلق الدارس في هذا الفصل من معلقة طرفة بن العبد الدالية:
لخولــــة أطلال ببرقة ثهمــد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
إن الطلل في هذه القصيدة عبارة عن حلم مستقبلي مصيري . والوشم محاولة الذهن أن يثبت مادة الحياة، ودحض لفكرة الزمن. وتحسد القصيدة صراع الطلل والوشم، وصراع الطلل والناقة، وصراع الخمر والطلل، وصراع الفخر والطلل. وتعكس الصور الشعرية المتضمنة في القصيدة غريزة البقاء والمعاناة من الخوف. وبذلك تتعارض في النص فكرة الكفر وفكرة الإيمان. وتصور القصيدة أيضا العجز عن المصالحة بين الغرائز المتضاربة. وتشبه ثورة طرفة على الناقة بثورة الإنسان على الصنم والطابو؛لأن الناقة مقدسة كالصنم في اللاشعور الجماعي.
وتجسد الأبيات الشعرية التي تصور الناقة ذلك الصراع المرير والأنطولوجي” بين رغبة المجتمع في الإبقاء على الناقة ورغبة في عقرها. أما المجتمع فحريص على استقرار ما يتمتع به من فهم ولا يستطيع أن يواجه القيم التي يعيش عليها. وأما طرفة فيقف موقف التحدي من الشعور الديني السائد بين الناس، ولكن هذا التحدي يحمل طابع المأساة، طابع العجز والقدرة، طابع الإنسان المحدود والعقل غير المحدود. ومن أغرب الأشياء أن المجتمع- ممثلا في هذا الشيخ- يخشى مغبة عقر الناقة. ولابد أن تذكر ما ارتبط به هذا الحدث في بعض القصص.
وليس من اليسير إذاًً أن يحمل هذا القول على الكرم والاستخفاف الشديد فحسب، فعقر الناقة يراد به استنزال اللعنة، ودعاء الموت، وتحدي الآلهة، والثورة على مافوق الطبيعة بطريقة تجمع بين الشعور العبقري والجنون الراغب في الانتحار. ومن ثم فالقصيدة تعبير عن فكرة المصير الإنساني، وتعكس تفكير” طرفة الشاب الذي يريد أن يتكشف فكرة المصير التي تطرق وجدان الشعوب- كما يقول شبنجلر- في بداية السلم الحضاري. هذه هي الشخصية القوية التي تحس وجودها على نحو قوي، ومن ثم تفكر في الموت. فالمصير لا يمثل إشكالا بالنسبة لضعيف الشخصية، أو لا يصل إلى جعل هذه الأفكار قضية بالنسبة له.
ن- الفصــــل الثــــامــــن: الحاجــــــة إلى الخـــــوف
في الفصل الأخير، ينطلق الدارس من قصيدة النابغة الذبياني التي يستفتحها الشاعر بقوله:
يادار ميــة بالعلياء فالســـند أقوت، وطال عليها سالف الأبــــد
تعبر معلقة النابغة الذبياني عن الإحساس بالتفرد والوحشة والاغتراب الذاتي والمكاني. وهذا يوصلنا إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعبر عن الإحساس بالشر والخوف. ويبدو” المجتمع عقبة في سبيل الوحشة الضرورية التي تؤدي إلى تنبيه الذات لكل ما لها من قدرات. وقد وجد الشاعر كل صوت سواه وحشة وعدما، وشعر من أجل ذلك بأنه في أعلى درجات الوعي والإحساس بمشقة الوجود.
فالمجتمع إذاً خرب إلا أن يكون صوت الشاعر، يسائله ويحييه. وإذا سكت الشاعر بدا المجتمع كله فاقد المعنى. الشاعر يعطي الربع قدرة على النطق من ثنايا السياق. حقا إن ا لشاعر كالذي يلتمس أحيانا صوتا سواه”.
إن الشعر يفصح عن مخاوف الجماعة العربية وقلقها وتخوفها من مصيرها المحتوم. ومن هنا ذهب أرسطو قديما إلى أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ.
وعليه ، فإن النابغة” يقول ضمنا إن حياة المجتمع العربي معرضة للشر، وهي الآن أشبه ما تكون بالأواري الذابلة والنؤي الذي لا يمنع السيل، والسجفين اللذين فقدا مالهما من شأن. هذه هي الوظائف المعطلة إن أعجبك هذا التعبير- ومن ثم فإن السيل الغامض خليق بأن يأتي على الحياة. لقد تتبعنا فيما مضى أحلام النبوءات الغامضة أو غير الغامضة ، ولكن من المهم قبل أن نختم هذه الصحف أن نشير إلى الجانب الثاني من الصورة فالآمال والرؤى الطيبة لا تعيش وحدها، وهناك دائما جدل وصراع بين بواعث التقدم وبواعث التقهقر. ولا يمكن أن تبحث شئون الثقافة بمعزل عن حركة الأضداد.
وتتخذ الحيوانات في الشعر الجاهلي أبعادا إنسانية وصراعية تحيل على الحرب والتطهير. فقصة الثور والكلاب ” أعانت المجتمع من حيث لا يدري على أن يشبع بعض حاجاته العاطفية من الحرب بطريقة خيالية وهمية. ولا شك أيضا في أن قصة الثور والكلاب كانت هي الدرس الأول الذي علم المجتمع الجاهلي كيف يشك في فلسفة الحرب المتداولة.” كما تشير قصيدة النابغة الذبياني إلى “نزوع واضح إلى عالم بعيد عن المنطق والمعقولية والإنسان. والإنسان لا يتمتع في مثل هذا النزوع بكمال إنسانيته على نحو ما يتبادر إلينا الآن. ولكن الشاعر هو الذي استطاع أن يهب المجتمع الجاهلي مثل هذا التحذير الغامض. حذار من صورة النعمان. حذار من العدوان على فكرة الإنسان. حذار من اللبس بين فكرة الفضيلة وطبائع الشيطان. حذار من عالم لا يعرف الخوف أو لايرى للخوف مكانا في نظام الحياة.”
وهكذا يتبين لنا أن الدكتور مصطفى ناصف تعامل مع الشعر الجاهلي من زاوية أنتروبولوجية أسطورية، إذ نظر إلى مجموعة من مكونات الشعر الجاهلي كرموز ومتعاليات جماعية مشتركة مترسبة في ذاكرة الإنسان العربي تؤرخ لمجتمعه وحضارته ، وتعبر عن ماضيه وحاضره ومستقبله بكل أتراحه وأفراحه. ومن ثم، يقدم لنا الدارس الشعر الجاهلي لا كموصوفات حسية ودوال سطحية ساذجة بل كرموز مجردة عميقة بعيدة عن الظاهر تتوغل في العقل الباطن واللاشعور الجمعي من خلال استقراء ماهو روحي وديني وطقوسي وشعائري.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *