التفكر وفوائده

توطئة
إن من العبادات التي هجرها الكثيرون في هذا الزمان عبادة التفكر في آيات الله تعالى الكونية  التي دعا إليها القرآن والسنة النبوية والسلف الصالح. وهذا الهجر سبب خللا في الوعي الإسلامي..إذ أصبحنا نهتم بأمور هي دون عبادة التفكر في الاعتبار الشرعي والفائدة المرجوة
تعريف
التفكر : هو دراسة الأشياء و تحليلها ، و من ثم ربطها بالحقائق الموضوعية ، بما يتناسب و العقل و المنطق الصحيحين ، و بالتالي يتوافق و يتطابق مع العلوم الصحيحة على اختلافها قال الرسول الكريم في حديث شريف و صحيح : (( لا عبادة كالتفكر ، تفكر ساعة خير من عبادة ستين عاماً)) و في رواية أخرى للحديث … (( سبعين عاماً)).
التفكر لغة: مأخوذ من – ف ك ر – التي تدل كما يقول ابن فارس: على تردد القلب في الشيء، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبرا، ولفظ التفكر مصدر لتفكر . وجاء في لسان العرب : الفكر والتأمل وإعمال الخاطر في الشيء.
واصطلاحا: تصرف القلب في معني الأشياء لدرك المطلوب. وهو التدبر والاعتبار. وهو عبادة تمارس بالقلب والعقل وتشترك فيها الحواس
حدود التفكر
يقول تعالى قي سورة آل عمران: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} {191} ، فالله تعالى دعا المومنين إلى التفكر والتأمل. في مخلوقاته، وحثهم على المواظبة عليه . وبينت لنا السنة النبوية المجالات التي يجب أن نعمل الفكر فيها، قال صلى الله عليه وسلم
” تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته، فإنكم لن تقدروا” لأن التفكر في نعم الله هو شرط معرفة الله ومحبته، أما التفكر في ذاته فهو فوق طاقة الإنسان .
شروط مساعدة على التفكر
ينبغي للمسلم أن لا نكون نظرته عادية، نظرة سطحية لظواهر الأشياء،  بل نظرة عبادة  نظرة عميقة تحمله من الظاهر المشهود إلى الباطن المحجوب ، ومن معرفة المخلوق على معرفة الخالق سبحانه الذي خلق الكائنات وأبدع النظام الذي تسير عليه ، يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ } لملك3 ويقول أيظا: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } الطلاق12  . ولكي يبلغ المؤمن هذه النظرة  يحتاج إلى مجموعة من الشروط أهمها:      – التقوى وترك الفضول والقول. – المداومة على تدبر القرآن الكريم. – المداومة على الاعتبار وتذكر منازل الآخرة.  – المداومة على إعمال العقل  والتأمل.- طلب العلم وإعمال النظر فيه وتعليمه للناس
هل فكرت يوما
هل فكرت يوما أن عدد خلايا المخ البشري يقدر بمليون مليون خلية (ترليون) 1.000.000.000.000 خلية فسبحان الله أحسن الخالقين
 وتحتوي كل خلية مخية على عدد هائل من المركبات الكيميائية الكهربائية، ونظام مجهري قوي لفك رموز المعلومات ومعالجتها، كما انها تحتوي على نظام إرسال شديد التعقيد، إلا أنه يمكن تثبيته في رأس دبوس، وتتخذ كل خلية من خلايا المخ شكل أخطبوط عملاق، ذي جسد مركزي، وعشرات، بل مئات، بل آلاف المجسات. فسبحان الله أحسن الخالقين
هل فكرت يوما فى أختلاف ألوان الوردوتنوع أشكاله وروعة واختلاف عبيره !
 مع انه يخرج من أرض واحدة ويسقى بماء واحد
 يقول تعالى:(وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)
النمل: 60
هل فكرت يوما في هذه الغدد العديدة التي توجد في جسمك والتي تنظم العمل به
 و تقوم بتوزيع الهرمونات كل في مكانها بمنتهى الدقة والاتقان ..
يقول تعالى:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد
سورة فصلت، آية 53
هل فكرت يوما في كروية العين ! 
قطعة اللحم الصماء الصغيرة جدا والتي لا حول لها ولاقوة..وتبصر النور !!! وفي السائل الذي تسبح فيه ويسمح لها بالحركة ..
يقول تعالى:(وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَار وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) ( السجدة : 9
هل فكرت يوما في لسان المزمار والأحبال الصوتية و انه لا يوجد انسان صوته مثل الآخر
يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ) الروم22 
و الأغرب بديع الأذن التي تتلقى هذه الأصوات  والأغرب ان جميع الحيوانات لديها نفس الأدوات ولا تتكلم
هل فكرت يوما ان لديك 32 سن نصفها في القسم العلوي و نصفها في القسم السفلي بالتساوي ..
 خلقت بدون الحاجة الى قالب لتصنيعها كما يفعل الأطباء .. وجذورها واختلاف أشكالها ووظائفها وعجيب المواد التي تصنع منها
هل فكرت يوما في هذا الحبل الذي الذي أمده الله لك لتتغذى من خلاله عندما كنت جنينا لا حول لك ولا قوة
هل فكرت يوما انه لولا الجهاز العصبي و الشعور بالألم
 لفتك بنا أول مرض بسيط ونحن لا نشعر هل فكرت يوما ان كل جسمك من عظام ولحم ودم .
 ومع ذلك تشكل الى قلب يعمل 24 ساعة و كليتين و كبد وجهاز هضمي و تنفسي وعصبي وذراعين وساقين ومئات من المفاصل 
 التى لا غنى لنا عن واحدة منها .. يقول تعالى:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (14) سورة المومنون
هل فكرت يوما ان في كل كف باليد ! 
27عظمة   و35 عضلة ! والقدم وما تحويه من أربطة
هل فكرت يوما في المعدة التي يتجدد غشاءها
الداخلي كل اسبوعين حتى لا تهضم نفسها ..! هل فكرت يوما في الحرير والقطن والصوف والذين لا يستفيد منهم الا الانسان فقط في الملبس أ و الطب ..
هل فكرت كيف كانت حياتنا ستكون
 بدون القمح و الأرز .. والخضروات والفاكهة والأنعام ..  والذين ما كنا سنستفيد منهم لو لم يوجد الله النار اللازمة لطهيهم رحمة منه  يقول تعالى:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)سورة  النحل 
فوائد التفكر
التفكر في نظام الكون وأجزائه يورث فوائد كثيرة منها
– الاتصال الدائم بالله تعالى: لأن التفكر عبادة لله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، يورث الخشية والخشوع ودوام التوجه إليه.  
– تكثير العلم واستجلاب المعرفة: العلم هو الثمرة الخاصة للتفكر، وإذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح إلى الأحسن والأفضل.
– ترسيخ الإيمان وتنميته إلى درجة اليقين: التفكر في خلق الله، ودراسة الظواهر المختلفة، يرسخ الإيمان ويبلغ به درجة اليقين
مخافة الله والشعور برقابته: عندما يشعر الإنسان بمخافة الله ، ويحس بدوام وجوده معه، فهذا يبعده عن المعصية ، ويصرفه عن السقوط في الجريمة والفساد{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }آل عمران
– محبة الله تعالى: فأصل المعرفة التفكر، وثمرة المعرفة المحبة، والمحبة غاية كل مؤمن صادق. ومحبة الله تحصل من التفكر في النعم لأن النفس مجبولة على محبة من أحسن إليها، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 أحبوا الله لما يغذوكم به

اقسام التفكر: 
  يقول تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الحشر21. أصل الخير والشر من قبل التفكر، والفكر يمكن إعماله فيما يصلح حال الإنسان أو يفسده ، وانفع أنواع التفكر على أربعة أقسام:
1–      التفكر في صفات الله وأفعاله لا في ذاته: يستحب التفكر في صفات الله تعالى وفي مخلوقاته انطلاقا من المنهج الذي رسمه القرآن الكريم والسنة النبوية
والسلف الصالح ، ويحرم التفكر في ذات الله وكيفيته لأن ذلك لا يؤدي بالإنسان إلى نتيجة أو علم، لأن الإنسان لا يستطيع إدراك كنه ذات  الله تعالى لأنه عاجز عن معرفة كنه الروح الت هي إحدى مخلوقاته.
2-      التفكر في الكتاب: الله سبحانه يدعو عباده إلى تدبر كتابه والتفكر في معانيه. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً
كَثِيراً}النساء82
3–      التفكر في أمور الآخرة: التفكر قي الآخرة وشرفها ودوامها، وفي الدنيا وخستها وفنائها، يثمر الرغبة في لآخرة والزهد في الدنيا. و كلما ازداد علمنا
 بتفاصيل اليوم الآخر مالت قلوبنا أكثر نحو الصلاح واجتهدت جوارحنا في فعل الخيرات وتركم المنكرات. 
4-      التفكر في الموجودات: الكون كتاب مفتوح يورث التفكر فيه اليقين بعظمة خالقه ويوثق الصلة بالله سبحانه وتعالى، والاتصال بالله يسبب استقامة
التفكير ونبله، وصقل الروح وسموها
مجالاته
مجال الأنفس لمعرفة خالقه حق المعرفة بالآيات والسنن الكونية التي أودعها الخالق في نفس مخلوقه وفيما يحيط به ،  قال تعالى { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ(21)} سورة الذاريات
مجال الأنفس واسع جدا، يتصل بالإنسان بما خلق الله فيه من أعضاء وأجهزة تدل على عظمة الخاق عز وجل. فلو تأملنا البصمات مثلا لوجدنا أن الإنسان يحمل قي ذاته بصمات متعددة تحدد هويته وتميزه عن غيره من بني البشر جميعا ولو من أقرب الناس إليه وإن كان توأمه، علما أن البصمات متعددة منها بصمات اليد وبصمة الأذن والعين وبصمة الصوت وغيرها، وعند التفكر في هذه البصمات لا يسع الإنسان إلا أن يقر أن منشئ البصمات هو منشئ الأنفس وأسرارها وهو الخالق تعالى البارئ المصور .
مجال الآفاق  في الإصطلاح هي كل ما يحيط بالإنسان أو يدركه في الأرض أو في الفضاء من مخلوقات عديدة تستدعي التفكر والتأمل في حكمة خلقها. فالآرض وما فيها من كائنات والفضاء وما فيه من أجرام  وكواكب
و نجوم دالة على صنع الله الذي أتقن كل شئ ، ومن ذلك .
 الخلق  الجبال التي تبرز من فوق الأرض ولها امتدادات تحت السطح ،هذه الإمتدادات هي بمثابة أوتاد تضمن ثبات الأرض واستقرارها قال تعالى {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا(6)}سورة النبأ
 الأحداث الكونية  كالزلازل والأعاصير والخسوف والكسوف ونحو ذلك التي تمر دون أن يتأمل الإنسان دلالاتها ، ويأخذ العبرة منها . قال عليه السلام :
 ” إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها  فأفزعوا إلى الصلاة ” أخرجه مسلم
   الأحداث التاريخية  منها ما تعلق بآثار الحضارات القديمة ومآلات الأمم السابقة الذي يدل على أن الإنسان لم يخلق عبثا في هذه الحياة قال تعالى   { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115) }  سورة المومنون

فهذا النوع من التفكر يقود الإنسان العاقل المتدبر إلى استخلاص الدروس والعبرمن نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *