الحروب الصليبية


الحروب الصليبية أو ما يطلق عليها “الحملات الصليبية” أو “حروب الفرنجة”، هي الحملات السبع التي قادها الأوروبيون في أواخر القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر. وهي بشكل أساس حركات صليبية استعمارية نبعت من الغرب الأوروبي خاصة، واتجهت للشرق الإسلامي. وقد اتخذت استغاثة المسيحيين الشرقيين ستارا دينيا لها، حيث تواروا تحت رداء الدين المسيحي والصليب لتحقيق هدفهم؛ ألا وهو استعمار الشرق واستغلال خيراته ونعمه. لقد تم الاصطلاح على تسمية هذه الحروب الصليبية بهذا الاسم، وذلك لأن الجيوش جيّشت تحت راية الصليب وبشعار تخليص يسوع المسيح المقدس. وهذه الحملات التي استمرت لقرنين يعتبر الراهب “بطرس الناسك” هو قادح شرارتها، حيث رحل للقدس عام 486 هـ، والتقى بطريرك فلسطين، وقد غاظه قيادة المسلمين لهذه البلاد، فعمل على تأجيج مشاعر الأوروبيين ضد المسلمين، داعيا للحرب ضدهم. مما سبق يظهر لنا أن السبب الرئيس لهذه الحملات هو كره المسيحيين للمسلمين، وانبهارهم بما حققوه من فتوحات في دول العالم، وعند بداية ضعف المسلمين استغلوا ذلك ليحققوا مطامعهم. إضافة للدافع الديني هناك أيضا الدافع الاجتماعي لهذه الحروب، حيث قسم المجتمع الأوروبي آنذاك إلى ثلاث طبقات اجتماعية هي: طبقة رجال الدين، وطبقة المحاربين والنبلاء والفرسان، وطبقة الفلاحين والعبيد والرقيق. وقد رأت كل طبقة منهم في هذه الحروب فرصة لتحقيق أهدافها، فرجال الدين كانوا يرونها وسيلة للقضاء على الخطر الإسلامي في الشرق. أما المحاربون فهي وسيلتهم لحصد المزيد من الغنائم، أما النبلاء فكان هدفهم السيطرة على المزيد من الأراضي. والعبيد فكانت هذه الحروب وسيلتهم وطريقهم للخلاص من قيود الاستعباد. أما الدافع السياسي لهذه الحروب، فإن انتصار الفرنجة على مسلمي الأندلس هو سبب أساس شجعهم لاستكمال حروبهم على الشرق للسيطرة عليه، كما كان ليهود أوروبا دورا مهما في تجهيز هذه الحملات للسيطرة على العالم عن طريق القروض الربوية لزعماء الحملات، مما يحقق أهداف اليهود الاستراتيجية في إضعاف قوة المسلمين والمسيحيين معا وزيادة سيطرتهم. إضافة إلى أن تردي الأحوال السياسية للمسلمين وصراعهم فيما بينهم على الحكم والعرش (الخلافة العباسبة والفاطمية) كان سببا أدعى لإضعاف المسلمين وقد استغلوا ذلك. لم تمر هذه الحروب مرور الكرام، بل كان لها التأثير الكبير على الغرب الأوروبي على المستوى الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. فهذه الحروب أدت إلى إضعاف النظام الإقطاعي واختفائه فيما بعد، وما نتج عنها من ظهور الطبقة الوسطى في المجتمع وتخفيف حدة العنصرية والتفريق بينهم. كما أدت إلى زيادة السلطة المركزية للكنيسة في أوروبا، وزيادة دعم البابا واتساع نفوذه. كما أن الحروب الصليبية كان لها أثرها على البعد الاقتصادي؛ حيث ساعدت هذه الحروب على ازدياد النشاط التجاري بين الشرق والغرب، واتساع نطاق النشاط المصرفي، وزيادة النشاط البحري بين الدول من خلال استغلال خيرات البلاد التي تم استعمارها. ولا يخفى علينا أيضا التأثر الحضاري والأخلاقي والصناعي بدول الشرق؛ حيث استطاع الأوروبيون أن ينقلوا معالم الحضارة للغرب من خلال الاطّلاع على علوم العرب وكتبهم ومؤلفاتهم واختراعاتهم، وتأثروا بهم في مجال الزراعة والصناعة أيضا. أما المسلمون فقد تأثروا بالغرب أيضا، وكانت هذه الحملات بداية انهيار الامبراطورية الإسلامية، وقد انعكست سلبا على وضع المسلمين التجاري والاقتصادي. لكن على الرغم من الآثار السلبية الكبيرة للحروب الصليبية على المسلمين؛ إلا أننا لا ننسى أبدا أن هذه الحروب كانت سببا في ظهور أحد أروع قادة المسلمين “صلاح الدين الأيوبي” الذي حارب الصليبيين ودحرهم عن بلادنا.


Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *