الارهاصات الدستورية في مغرب مطلع القرن العشرين

مقدمة
هناك ميزة أساسية تطبع النظام الدستوري-السياسي المغربي بطابع الخصوصية لتجعل من الدستور المغربي دستورا متميزا عن باقي الدساتير العالمية.
إن الأمر يتعلق بذلك “الامتداد التاريخي البعيد والعيمق الذي يطبع طقوس وأخلاقيات الحياة الدستورية المغربية”
المحور الأول: في بروز الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري في  المغرب
أولا: مشروع دستور الشيخ عبد الكريم الطرابلسي:
في سنة 1906 حل بالمغرب شيخ سوري يدعى عبد الكريم مراد الطرابلسي، وقد استقر هذا الفقيه بفاس ما بين سنتي 1906 و1907، حيث عرض على السلطان المولى عبد العزيز وثيقة تتضمن المطالبة بإجراء جملة من الإصلاحات الدستورية-السياسية.
وباستقراء لمقتضيات هذه الوثيقة نلاحظ أنها تمحورت حول ثلاثة مجالات أساسية: المجال التشريعي، المجال المالي والمجال العسكري.
1 ـ المجال التشريعي في مشروع دستور الطرابلسي:
انطلق الشيخ عبد الكريم الطرابلسي من تصور شبه شمولي للجانب التشريعي الذي يمثله مجلس الأمة، إذ أناط بهذا المجلس مهمة حل جميع القضايا وفق الشريعة الإسلامية، فهو الذي يقر الأحكام على قول واحد مع حفظ المعاهدات الأجنبية وتقرير خدمة الوزراء والعمال مع ترتيب مؤونتهم وتقرير الأموال وتوفير المصاريف اللازمة للحكومة وتنظيم قانون تعليم الرعية و”الحركات” العسكرية، مراقبة أعمال العمال ومحاكمة العمال فيما بينهم؛ محاسبة الأمناء، تقرير كل عمل يلزم عمله في الحكومة، كما أناط الشيخ الطرابلسي لهذا المجلس مهمة سن قوانين القضاء، بل إنه يتحول إلى شبه محكمة استئنافية: فعلى “المحكوم عليه أن يستأنف دعواه في مجلس الأمة
2 ـ المجال المالي في مشروع دستور الطرابلسي:
حتى يصبح جميع المغاربة سواسية أمام أداء الضرائب، فلا بد من “إعفاء الرعية من كل رسم مخالف للشريعة المطهرة فتضحى بلاد سيدنا –نصره الله تعالى- خالية من الفتن لأن جميعها لا تحدث إلا بدعوى الابتعاد عن الأحكام الشرعية وعدم الإنصاف للرعية”. لذلك عمد الشيخ الطرابلسي إلى المطالبة بتأسيس مجلس للأحباس أطلق عليه اسم مجلس الإسلام.
وبالنظر إلى تشكيلة هذا المجلس نلاحظ أن صاحب هذا المشروع حاول خلق نوع من التوازن بين مختلف مكونات المجتمع المغربي آنذاك؛ فهناك تمثيل للشرفاء في شخص نقبائهم وناظر الأحباس وشيخ للفقراء والأميين إلى جانب حضور ممثلين عن العلماء، ويتضمن هذا المجلس عدة فروع تتوزع بمختلف أرجاء المملكة المغربية.
3 ـ المجال العسكري في مشروع دستور الشيخ الطرابلسي:
لقد كان المشروع الدستوري للشيخ الطرابلسي ابنا شرعيا للظروف السياسية، الاجتماعية والاقتصادية التي كان يمر منها مغرب ما قبل الحماية، فحضور المجال العسكري في وثيقة دستورية أمر غير مألوف. إلا أن الوضعية المزرية التي كان يتخبط فيها المغرب كانت تحتم إصلاح الجهاز العسكري المغربي بعدما تزايدت الأطماع الأجنبية لاحتلال المغرب، واستفحلت الاضطرابات الداخلية مما دفع الشيخ الطرابلسي إلى تقديم تصور جديد لتنظيم مؤسسة الجيش المغربي.
ونسجل على هذا المشروع الإصلاحي كونه لم يشر إلى المبادئ الدستورية العامة لحقوق المواطنين، مثلما أغفل الحديث عن اختصاصات السلطان والوزراء.
ثانيا: مشروع دستور جماعة لسان المغرب1908
منذ ما يزيد عن 90 سنة كان السيد فرج الله نمور يصدر بطنجة جريدة أسبوعية تحت اسم لسان المغرب، وقد نشرت في سنتها الثالثة أربعة أعداد متتابعة(*) تتضمن مشروعا دستوريا يتكون من 93 مادة.
ومن خلال قراءة سريعة لمقتضيات هذا المشروع الدستوري تتكرس الملاحظة الشكلية التي سجلناها على مشروع الشيخ الطرابلسي، إذ لم يسلم مشروع دستور 1908 من غياب التنظيم الشكلي الأمر الذي دفع جاك روبير إلى اعتباره حالة مرضية، بل إن هذا النص الدستوري قد أثار لدى هذا الباحث الأجنبي نوعا من الدهشة لكونه “أقحم الرواتب الشهرية لكبار الموظفين والتنظيم الدقيق للمدارس الوطنية”[
وبالوقوف عند وضعية المؤسسات المخزنية في هذا المشروع الدستوري نجد أصحابه حريصين كل الحرص على الثوابت الأساسية للمملكة المغربية الشريفة جاعلين من “الدين الإسلامي دينا رسميا للمملكة والمذهب الشرعي فيها هو المذهب المالكي”[مؤكدين على أن الدولة المغربية دولة مستقلة استقلالا كليا.
1 ـ المؤسسة الملكية في مشروع دستور 1908:
لقد أولى أصحاب مشروع دستور 1908 عناية كبرى للمؤسسة الملكية باعتبارها مؤسسة تضرب بجذورها في عمق التاريخ السياسي المغربي، إذ يتجلى هذا الاهتمام في إفرادهم لـ 11 مادة خصصت لهذه المؤسسة. فللسلطان مكانة متميزة، فهو أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين؛ كما أنه المسؤول الأول عن ضمان حماية أبناء هذه الدولة باعتباره وارث البركة الكريمة.
إن المثير للانتباه هو أن هذه المقتضيات تشبه إلى حد كبير مقتضيات الفصل 19 من الدستور الحالي، كما أن إدماج مفهوم البركة يحيل إلى المذهب الشيعي وليس إلى المذهب السني!
وباستقراء للمادة 11 من نفس المشروع يتضح أن للسلطان مهاما متعددة؛ فباسمه تسك النقود وتخطب الخطب، كما أن له دورا حاسما في الدفاع عن حوزة الدولة الشريفة لذلك أسندت له مهمة قيادة الجيوش الكبرى وإشهار الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات مع الدول؛ كما أن له الحق في تعيين موظفي الدولة سواء كانوا كبارا أو صغارا مثلما له الحق في عزلهم بمنحهم “النياشيين”[ وفي مقابل ذلك نجد السلطان غير مسؤول سواء على صعيد السياسة الداخلية أو على صعيد تدبيره للسياسة الخارجية[
2 ـ مؤسسة الحكومة في مشروع دستور 1908:
إذا كانت للمؤسسة الملكية مكانة مرموقة داخل الهندسة الدستورية، فكيف كان يتصور واضعو مشروع دستور 1908 الحكومة المغربية.
لقد أخضع أصحاب مشروع دستور 1908 الحكومة إلى مراقبة مزدوجة، فمن جهة تخضع الحكومة إلى السلطان، ومن جهة أخرى يراقبها منتدى الشورى باعتباره هيئة تشريعية. والملاحظ على الهيكلة التنظيمية للحكومة كونها تتسم بعدم التعقيد؛ فالسلطان هو الذي يعين الوزير الأكبر ليفسح المجال لهذا الأخير قصد اختيار خمسة وزراء يتم عرض أسمائهم على منتدى الشورى ليدلوا برأيهم اتجاه تشكيلة الحكومة؛ فإذا ما أقروا انتخاب الوزراء الخمسة عرضوا رأيهم على السلطان ليصادق على تعيينهم.
3 ـ الهيئة التشريعية في مشروع دستور 1908:
كيف جاءت فكرة التمثيلية النيابية في تصور أصحاب لسان المغرب؟؟
يرى الباحث الفرنسي آلان كليس بأن كل الشكوك أو الغموض التي يمكن أن تثار حول نص دستور 1908 والمحاولات الأخلاقية المنغلقة على ذاتها لأولئك الذين قاموا بتحريره، وكذا المعلقين عليه يمكن ربطها بما يمكن اعتباره قوة قاهرة لهذا الدستور ألا وهو دور الأعيان الشرفاء في إقامة نظام مزدوج لحماية الحريات والملكية الفردية من جهة، والتمثيل الجماعي عن طريق الانتخاب والتعيين من جهة أخرى. “لمواجهة مؤسسات المخزن والقوى الأجنبية، فإن فكرة التمثيلية البرلمانية الوطنية مع الضمانات بعدم خرقها إلى جانب حرية القول قد تمت المطالبة بها بطريقة واضحة
ثالثا: المذكرة الإصلاحية للحاج علي زنيبر:
لم تأت مذكرة الحاج علي زنيبر بأي جديد يميزها عن المطالب التي سبقتها، كما أنها لا تشير –لا من بعيد أو قريب- إلى لفظ الدستور.
1 ـ الإطار الشكلي لمذكرة الحاج علي زنيبر:
كرست هذه المذكرة عدم اهتمام أصحاب هذه المطالب الإصلاحية بهذا الجانب، إذ جاءت هذه المذكرة بصياغة تقليدية يغلب عليها الطابع الفقهي إلى جانب غياب تنظيم محكم لمقتضياتها.
2 ـ الإطار الموضوعي لمذكرة الحاج علي زنيبر: لقد عنون الحاج علي زنيبر مذكرته بحفظ الاستقلال ولفظ السيطرة والاحتلال “مستهدفا بالدرجة الأولى حماية المغرب من كل الأطماع الأجنبية عن طريق إصلاح الجيش وخلق نظام ضريبي قائم على المساواة وتوظيف اللغة العربية في جميع المؤسسات الحكومية وإنشاء بنك الدولة”
المحور الثاني : اسباب ظهور الارهاصات الدستورية
نسجل تباين مواقف الباحثين الدستوريين بخصوص الخلفيات السياسية، التي كانت وراء ظهور العديد من المشاريع الدستورية خلال الفترة الممتدة من سنة 1906 – 1914، ففي الوقت الذي أرجع فيه عبد اللطيف أكنوش سبب بروز هذه الأفكار الجديدة داخل الوسطين الاجتماعي والسياسي بالمغرب إلى ظهور “عدة انقلابات سياسية بين سنتي 1906 و1912، فإن محمد ضريف أرجع سبب بروز هذه المشاريع الدستورية إلى “فساد النظام الجبائي نظرا لغياب سياسة جبائية قادرة وشاملة”. في حين أن أحمد جديرة اعتبر أن هذه المطالب الإصلاحية جاءت نتيجة لـ”ظهور الأطماع الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، قصد احتلال المغرب ثم القضاء على سيادته، وعجز الحاكمين آنئذ عن الوقوف ضد هذه الأطماع بسبب تدهور دواليب النظام المخزني وبالتالي امتناع السلطات عن التعامل مع قيادات الجبهات الوطنية التي كانت تقود حركة الرفض لكل تسرب أجنبي“.
أما في ما يخص الإصلاح الدستوري فالفكرة دخلت نسيج الخطاب الإصلاحي في المغرب منذ مطلع القرن العشرين بتأثير الأفكار الجديدة الوافدة من المشرق أو “بتأثير نظيرتها الوافدة من أوربا” وقد تجلى ذلك في مشاريع دستورية رفعت للسلاطين المغاربة بداية القرن العشرين كمشروع عبد الكريم مراد، والحاج علي زنيبر، مشروع دستور جماعة لسان المغرب، جمعية الاتحاد والترقي.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *