سن الرشد الجنائي والوعي بالمسؤولية الجنائية


سن الرشد الجنائي في القانون المغربي

رفع المشرع المغربي في المادة 458 من ق.م.ج سن الرشد الجنائي إلى 18 سنة  ميلادية كاملة واعتبر الحدث الذي يبلغ 12 سنة فأقل عديم المسؤولية الجنائية    وذا مسؤولية ناقصة ما بين 12 و 18 سنة لعدم اكتمال التمييز لديه، وقد انسجم المغرب بذلك مع التزاماته الحقوقية الواردة بالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل . وإذا وقع خلاف حول سن الحدث نصت المادة 459 من ق.م.ج على أنه يتعين اعتبار سن الجانح يوم ارتكاب الجريمة مع إعطاء المحكمة صلاحية اللجوء إلى أهل الخبرة لتقدير سن الحدث، بعد  أن تأمر بإجراء فحص طبي ولها إن اقتضى الحال إصدار حكم بعدم الاختصاص .
مفهوم المسؤولية الجنائية 
 المسؤولية الجنائية هي عبارة عن سلوك إنساني يشترط تقييم مسبق في إطار النصوص. السلوك الإنساني يتحلّل إلي ركن موضوعي خارجي وإلي ركن معنوي داخلي.
 المسؤولية الجنائية الناقصة
الفصل 135 من ق.ج فينص على مفهوم المسؤولية الجنائية الناقصة وعلى تخفيف العقوبة، وهكذا يشير الفصل المذكور إلى “تكون مسؤولية لشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي تنقيص مسئوليته جزئيا” .
-وفي الجنايات والجنح تطبق على الجاني العقوبات أو التدابير الوقائية المقررة في الفصل 78 ق.ج .أما في المخالفات فتطبق العقوبات مع مراعاة حالة المتهم العقلية “.
وهكذا نجد أن المشرع المغربي قد تخلى عن مسؤولية المجنون لأن المسؤولية الجنائية تفرض الإدراك والإرادة وحرية التصرف،وهذا يتنافى مع حالة المجنون والمعتوه .
المسؤولية الجنائية الكاملة
    المسؤوليّة الجنائية الكاملة تعني التأكد من ماذا كان يعلم و ماذا كان يريد المجرم (تحقّق الركن المعنوي المبدأي للجريمة) وأيضا ماذا كان يستطيع أن يعلم و ماذا كان يستطيع أن يريد اللذان يؤديان بنا إلي ماذا كان يستطيع أن يفعل.
    المسؤوليّة الجنائية النهائية للفعل اللامشروع تشترط مسؤوليّة جنائية مبدئية أي تحقيق الركن المعنوي مما يعني تغطية عناصر الركن المادي من معرفة بسيطة وإرادة تحقيق هذه العناصر في العالم الخارجي من الفاعل الأصلي
    العلم وهذه الإرادة تشكّلان شرط أساسي للمسؤوليّة الجنائية النهائية وفي حالة أن هذه العناصر لا تتوفّر من البداية عندئذ تستحيل المسؤوليّة من البداية ولا عبرة في تقييم أي عناصر أخرى من أجل الوصول إلي المسؤوليّة النهائي
    جوهر المسؤوليّة الجنائية (كركن معنوي) يجب أن يتجسّد في إدراك وتمييز  اللامشروعية المادية
    إدراك اللامشروعية يحتوي علي المعرفة البسيطة بعناصر الفعل الإجرامي الذي يحقّق الاعتداء والإدراك يشتمل بشكل ضروري علي العلم بأهمية الفعل الإجرامي
    الفاعل يعلم ويعرف ويدرك أهمية الفعل وأهمية المصلحة
ماذا يترتب عن بلوغ سن الرشد الجنائي؟
يترتب عن ذلك من عقوبات زجرية يستوجبها القانون، لكن وليه يتحمل المسؤولية المدنية إلى حين بلوغ سن 20 عاما.
كيف تستثمر التشريع الإسلامي  لاكتساب مناعة ضد ارتكاب جرائم
لقد جاء التشريع الإسلامي متدرجا، لأن ذلك أدعى إلى تقبله وعدم النفور منه، فتدرج القرآن في معالجة مشكلة الخمر بشكل خاص بأسلوب دقيق غير منفر، على مراحل متعددة: فأول آية نزلت تتكلم عن الخمر هي قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً {النحل: 67}. ففي هذه الآية الكريمة نجد كيف أن القرآن بأسلوبه الدقيق أشار، بوضع المقابلة بين السكر والرزق الحسن، إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن وإنما هو نقيض ذلك. ثم تحرك في وجدان المسلمين حب لبيان أكثر وضوحاً، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياـ فأنزل تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا {البقرة: 219}. فبين القرآن أن ضرر الخمر أكبر من نفعها، وفي هذا دفع لكثير من المؤمنين على هجرها. وبعد أن تهيأت النفوس بشكل أكبر، عمد القرآن الكريم لكسر عبادة الإدمان فحرم الصلاة على المسلم وهو سكران. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى {النساء: 43}. ثم جاء الأمر الحاسم من الحق سبحانه باجتناب الخمر حين قال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {المائدة:90}. وتدرج الشرع الحكيم في تحريم الربا هكذا تدرج الداعية، وهكذا تبليغ الناس، الأولويات فالأولويات، والقضايا الكبرى فالكبرى، ولا ينفع الدعوة الإسلامية أن تطرح للناس جملة، بل نقطة نقطة، فإن هم حققوها فلتأت الثانية. ..
حلول من الشريعة الإسلامية للحد من الجرائم
الطرق الوقائية:
طرق الوقاية من الإضرار بالمجتمع وأهله، أنفساً أو أموالاً أو أعراضاً، أو وقاية اجتماعية، مما تحرص الأديان كلها عليه، وقد أبان الله في كتابه الكريم، وسنة رسوله المصطفى عليه الصلاة والسلام أن الفساد في الأمم السابقة، ما جاء إلا من إخلالهم بالنصوص، وتحايلهم على ما بين أيديهم من تشريع ومفاضلتهم في الأحكام بين الشريف القوي، وبين الضعيف الوضيع، ممن لا سند له من جاه أو مال أو عشيرة.
فالأول: يعفى من الإيقاع أو التشهير، أما الثاني: فيضاعف الجزاء عليه ويذل. كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) حيث قال ذلك لأسامة بن زيد عندما جاء ليشفع في أمر المخزومية التي سرقت،
الرقابة الذاتية:
ما أكثر التوجيه القرآني الكريم للنفس البشرية، حتى تستعمل العقل في التبصر، وحتى تدرك ما تدل عليه الحواس التي وهبها الله للإنسان، فتميز الخير من الشر، والنافع من الضار، لأن الإنسان سوف يحاسب على سرائر أعماله وظواهرها، ولأن كل ما يعمله محصى عليه، ومرصود في سجل أعماله كما قال تعالى: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}[37]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً، يرسخ في الناس القاعدة الأساسية التي عليها مدار الأمور، لأن سلامة الجوهر في صفاء العقيدة، وصحة الأعمال في صدق المأخذ، وترسيخ قاعدة الإسلام التي أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة تزيد عن 56% من مدة مكثه صلى الله عليه وسلم يبلغ رسالة ربه، كانت في تأصيل الوحدانية مع الله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.. التي هي أول أركان الإسلام، وتأكيد حقها على الفرد المسلم، لأن هذه الكلمة، إذا تمكنت من النفوس فهماً وعملاً، وسيطرت على الأحاسيس إدراكاً وتشبعاً، كانت حصناً منيعاً يحمي الله به النفوس من مسارب الشرور والآفات، ويقف عمق معناها دون الانحدار إلى الرذيلة والاستسلام للجريمة.
رقابة الفرد:
رقابة الفرد على نفسه أولاً، وتوجيهه لغيره ثانياً بتوسيع المدارك، وزيادة التمكن في أخذ المعرفة من مصادرها الصحيحة الثابتة، وغرس الفضيلة، ومقاومة الرذيلة، كما يستفاد من هذا النص الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
رقابة الأسرة:
والأسرة عندما يدرك أفرادها ما يجب عليهم فهمه من نصوص شرعهم، ودلالات دينهم، ويحرصون على ذلك عملاً، فإن نتيجة ذلك الالتزام بالأخلاق، ومراقبة الأعمال لتزنها من منطلق الفهم الصحيح، حتى توجه الأبناء منذ حداثة أعمارهم التوجيه السليم، وتغرس في نفوسهم حب الفضيلة لفضلها، وعمق أثرها، وكراهية الرذيلة لسوئها، وآثار نتائجها
الطريقة الزجرية:
والمرتبة الرابعة التي تستنتج من استقراء التوجيه الشرعي، للوقاية من الجريمة، هي القوة التي تحدّ من استشراء الجريمة، وتغلبها على فئة من المجتمع لتفسده، وتدك دعائمه التي يقوم عليها بنيانه، تلك هي الطريقة الزجرية التي يلجأ إليها ولي الأمر عند استنفاد فرص الإصلاح، فالقلب له حالة الانطماس، والذهن له مرتبة في الانغلاق. فمن انطمس قلبه فإنه لا يفيد فيه نصح ولا توجيه، لأنه أصبح كالصخرة الصماء التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. والذهن إذا انغلق أصبح كالباب الموصد، لا يدخل معه أحد، ولا يخرج منه أحد، والمعاندون لشرع الله المتجاوزون لحدوده سبحانه، ممن طبع الله على قلوبهم، فلا يفيد فيهم توجيه، ولا يردعهم نصح، كهذا الباب لا يتحقق النفع إلا بكسره، أو كالجسم المريض بمرض خبيث لا يرجى برء الجسم منه، إلا بقطع العضو الموبوء،

كما حكى الله عن بني إسرائيل بقوله جل وعلا: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}


Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *