الطبع والصنعة في الشعر العربي القديم


تقديم

إنّ مصطلح الطبع والصنعة، من المفاهيم النّقدية والبلاغية، التي رافقت عملية الإبداع الشعري، وحاولت تحديد معالمها وضبط أسسها، وأصبح هذا المصطلح وسيلة النقد وغايته، في الحكم على الشعر، من حيث جودته أو رداءته. بذلك فإنّ الطبع والصنعة يشيران معاً إلى المذهب الجمالي في الكتابة ـ علماً أنّ النقد في أوّل نشأته احتضنه الشّعراء والمتذوقون من عامّة النّاس، فلم يتحوّل هذا المفهوم إلى مصطلح نقدي ـ وهذا المذهب يسع الإبداع، بما يتضمنه من قواعد وإجراءات وشروط وأحكام، تعبّر جميعها عن نوعية التذوق والفهم، وفقاً لثقافة النّاقد ومدركات جهازه المعرفي والأدبي، وأثر ذلك كلّه في توجيه القراءة النّقدية. مع الإشارة إلى ذلك التّوهم الذي طبع إحساسات النّقاد باحتواء معرفة الشعر، والقدرة على تحليله ووصفه، في ضوء التصنيف النسبي للشعر والشعراء استناداً إلى هذا التوهم. وهو تصنيف، تنعدم فيه المنهجية والدّقة والتنظيم، لأنّ منطلقه الاحتكام إلى الذوق في تقويم إشكالية الطبع والصنعة، وهي إشكالية، لا تقدم في جوهرها إجابات حاسمة ونهائية، لقضية، ظلت مبهمة، بسبب اتصالها العضوي بالخطاب الشعري في مستوياته المختلفة والمتداخلة.
والالتزام بمصطلح الطبع والصنعة، مردّه إلى أنّ هذه التسمية المكررة والمتداولة، هي التي ارتضاها التراث النقدي والبلاغي، وتواضع عليها، وقوم من خلالها الشعر في شقّيه الشّكلي والدّلالي. وهو تقويم، يفتقر في أحايين كثيرة إلى الضبط العلمي، لعدم خلوّه من أثر العاطفة، في الميل إلى شاعر معيّن، أو إلى نص ما، أو عصر أدبي مخصوص. في حين أنّ المصطلح بطبيعته، لا يولد هكذا، بل إنّه يجنح نحو الدّقة، لأنّه نتاج الفكر والمعرفة والوعي.
وهناك مشكلات نقدية شائكة، أثارها النّقاد القدامى، وقاسوا في أثنائها الشعر الجيّد، الذي يروق ويتمكّن، مثل قضايا اللّفظ والمعنى، السرقات الشعرية، ولغة الشعر، وكيفيات صياغته ونظمه، دلالاته ومرجعياته المختلفة، الصورة الشعرية ومعايير تشكّلها سهولةً وتعقيداً، استجابات المتلقي، سامعاً أم قارئاً
تعريف الطبع والصنعة
الطبع
لغة : الطبع والطبيعة: الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان، والطباع كالطبيعة مؤنثة،[..]قال الأزهري: ويجمع طبع الإنسان طباعا، وهو ما طبع عليه من طباع الإنسان في مأكله ومشربه، وسهولة أخلاقه وحزونتها، وعسرها ويسرها وشدته ورخاوته وبخله وسخائه […]وطبعه الله على الأمر يطبعه طبعا: فطره
اصطلاحا :الطبع عند ابن الأثير هو الاستعداد الفطرى أو العبقرية أو الموهبة التى يهبها الله من شاء من عباده، وتأتى من فيض إلهى من غير تعلم سابق، ومن يُخْتَص بها يكون فذا واحدا يوجد فى الزمان المتطاول.
الصنعة
لغة : جاء في لسان العرب أنّ صيغة (ص ن ع) بمختلف تشكلاتها ومنها: صُنْع، الصناعة، الصنعة، صنيع، صنّع، صناع، صَنْع، تدلّ على العمل، وما يؤكّده من مهارة وحذق وقيام وتجربة وإظهار وبيان،
أما اصطلاحا :الصنعة فهى القدرة اللغوية المتميزة على صناعة الشعر، ووسائل التمكن من الصنعة عند ابن طباطبا هى الدربة وسعة الاطلاع والحفظ لروائع الشعر قديمه وحديثه.
وجهة نظر الناقد العربي بن رشيق القيرواني
القضية الأولى: قضية الطبع والصنعة والتكلف
الكلام الجيد الطبع مقبول في السمع قريب المثال بعيد المنال أنيق الديباجة رقيق الزجاجة يدنو من فهم سامعه كدنوه من وهم صانعه ، أما الشعر المصنوع فهو مشقق الكعوب معتدل الأنبوب يطرد ماء البديع على خبانه و يروق رونق الحسن في صفحاته كما يحول المسرف الطرف الكحيل و الأمر في السيق الصقيل و محل الصانع شعره على الإكراه في التعمل وتنقيح المباني دون إصلاح المعاني يعفى أثار صنعه و يطفئ أنوار صنيعته و يخرجه إلى سناء التعسف و قبح التكلف وتنفثه و وساوسه من غير اعجال النظر و تدقيق الفكر مخرجه إلى حد المشهر الرث و حيز الغث و أحسن ما اجري إليه و أعول عليه التوسط بين الحالين و المنزلة بين المنزلتين من الطبع و الصنعة .
القضية الثانية: السرقات الأدبية
قال ابن رشيق القيرواني : قال عبد الكريم النهشلي :
قالوا السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه وأجيد في أخذه على أن من الناس من تعبد ذهنه إلا عن بيت امرئ القيس و طرفه حين لم يختلفا إلا في القافية فقال : أحدهما و تحمل و قال الآخر و تجلد و منهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى و يكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر و هم قليل ، و السرق أيضا إنما فهو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر لا في المعاني المشتركة أين هي جارية في عاداتهم و مستعملة في أمثالهم و محاوراتهم مما يتفرع فيه الطيبة عن الذي ورده أن يقال أنه أخذه من غيره .
قال و إيكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز و تركه كل معنى سبق إليه جهل و لكن المختار عندي أوسط الحالات .
وجهة نظر  الجاحظ
الطبع والصنعة
يتناول أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ “م 255 هـ] الطبع والصنعة بصورة أوسع وأعمق متأثرًا بما سبق من كلام بشر، فيرى أن المعاني مشتركة لكن تميز الأديب يرجع إلى صحة الطبع في الصياغة والتصوير يقول: “والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي … وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ،
وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير”1.
ويقول الجاحظ في الطبع والإلهام عندما تحدث عن الخطابة عند العرب: فكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إحالة فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام … فتأتيه المعاني أرسالًا وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا”2.
ثم يتحدث الجاحظ عن الصنعة في الأدب لأنه يعرف أن: “من شعراء العرب من كان يدع العقيدة تمكث عنده حولًا كريتًا “كاملًا”، وزمنًا طويلًا، يردَّد فيها نظره، ويقلب فيها رأيه اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله ذمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمنقحات والمحكمات”
السرقات الشعرية
يتداول عدد من الناس موضوع السرقات الأدبية , التي يعدها البعض منهم من عيوب الشعراء , في الوقت الذي أرى فيه أن هذا الأمر لا يضر في شيء , ما دام المرء قادر على الإفادة والاستفادة , إذ تكون الاستفادة من تجارب من سبقونا من الشعراء والكتاب والمؤلفين , والإفادة لمن يأتون بعدنا من الأجيال . وفي هذا السياق يقول الرافعي : ” وما أنا إلا رجل يقرأ ليكتب , ويكتب ليقرأ الناس ” , وهذا السلوك الكتابي كنت ولا زلت أمارسه , قبل أن أطلع على هذه المقولة العظيمة من هذا الرجل العظيم , لأن الكتابة توليد وتوالد , فالتوالد لا يكون إلا من خلال استمرار عملية القراءة , والتوليد هو نتاج لهذا العمل الثقافي المتواصل مع إبداع الآخرين ونتاجاتهم الفكرية . وذلك أن الشعر حديقة عامة ومتنزة كبير , ةتجارب الشعراء وقصائدهم فيها مثل الزهور , والشاعر مثل ذلك الرجل الذي يتجول بين هذه الزهور , ولهذا قال الجاحظ : ” المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعَجَمي والبدوي والقروي ” , وقيل في مواقع أخرى ” وقد يقع الحافر على الحافر ” . ولو تتبعنا نصوص المتنبي الذي ” ملأ الدنيا وشغل الناس ” كما قال عنه الثعالبي , لوجدنا أنه سارق كبير – وفق أصحاب هذه النظرة الفكرية الضيقة – وقد ألف النقاد حول سرقاته الكتب والمصنفات , لكنها ذهبت تلك المؤلفات أدراج الرياح , وظلت قصائد المتنبي تتداولها الأيدي وتستقر في صدور الرجال , ولا يعرف إلا المختصون تلك الكتب . ومن أوائل من أهملوا موضوع السرقات الشعرية الناقد العباسي قدامة بن جعفر , لأنه كان يرى أن السبق إلى المعنى لا يعد تميزًا في الشعر , بل يحسب للشاعر كشخص لا للعملية الشعرية من حيث كونها حالة مجردة منفصلة عن الشاعر , وأن المعنى المسبوق عليه إذا كان جميلاً , خير من المعنى المبتكر إذا كان قبيحًا .
ولو نظرنا إلى الأوزان الشعرية والقوافي , لوجدنا أننا مسبوقون عليها , كما أن عدد حروف اللغة العربية ثابت ولم يتغير , ولم يتم ابتكار أي حرف جديد , لهذا فنحن نأتي بشيء مكرر بشكل عام ويبقى التميز يوافق عدد من الشعراء , والشاعر المحظوظ من علقت له قصيدة أو بيت من الشعر في أذهان الناس , أو تداوله المؤلفون في كتاباتهم
وعلى هذا , فلا بد لنا من التفريق هنا بين السرقة الشعرية والسطو الأدبي أو الشعري
نعم , هناك فرق بين السرقة الشعرية والسطو , والفرق كبير وواضح
السطو : هو أن يدعي شاعر أحقيته بقصيدة شاعر آخر , أو يأخذ منه بيتًا شعريًّا , دون أن يُلفت أنظار القراء والمتابعين إليه , بعلامتي تنصيص أو ذكر بالهامش

أما السرقة فهذا أمر مجاز به في مجال الشعر , كسرقة معنى أو فكرة , ويبقى التميز لمن تفوق في هذا المجال

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *