رعاية الاسلام لذوي الاحتياجات الخاصة


من هم ذوي الاحتياجات الخاصه
هم أفراد يعانون نتيجة عوامل وراثية أو بيئية مكتسبة من قُصور القدرة على تعلُّم أو اكتساب خبراتٍ أو مهاراتٍ و أداءِ أعمالٍ يقوم بها الفرد العادي السليم المماثل لهم في العمر والخلفية الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية .
ولهذا تصبح لهم بالإضافة إلى احتياجات الفرد العادي ، احتياجات تعليمية ، نفسية ، حياتية ، مهنية ، اقتصادية ، صحية خاصة ، يلتزم المجتمع بتوفيرها لهم ؛ باعتبارهم مواطنين وبشراً – قبل أن يكونوا معاقين – كغيرهم من أفراد المجتمع ” .
وعرَّفت منظمة الصحة العالمية الإعاقة على أنها : ” حالة من القصور أو الخلل في القدرات الجسدية أو الذهنية ترجع إلى عوامل وراثية أو بيئية تعيق الفرد عن تعلُّم بعض الأنشطة التي يقوم بها الفرد السليم المشابه في السِّن
وجاء كذلك أنّها : ” حالةُ تَحُدُّ من مقدرة الفرد على القيام بوظيفةٍ واحدةٍ أو أكثر من الوظائف التي تعتبر من العناصر الأساسيـة للحياة اليوميـة من قبيل العنايـة بالـذَّات أو ممارسة العلاقات الاجتماعية أو النشاطات الاقتصادية ، وذلك ضمن الحدود التي تعتبر طبيعية .
صور الإعاقة المذكورة في القرآن الكريم : 
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر لعددٍ كثيرٍ من صور الإعاقة الشائعة في الناس سواء كانت إعاقةً عضـويةً أم عقليةً أم نفسية ، فقد ذكر : الصمم ، البكم ، العمى ، العرج ، السفه ، أو الإعاقات العقلية ، أنواع الأمراض (كالبرص ) وغيرها ، ومن هذه الأيات على سبيل المثال لا الحصر :
– (
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) (البقرة:18)
– (
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ … ) (النور:61)
– (
وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ) (المائدة:110)
– (
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) (التكوير:22)
الاسلام وذوي الاحتياجات الخاصة
رعاية الاسلام لذوي الإحتياجات الخاصة
عن أنس (رضي الله عنه) أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة. فَقَالَ: “يَا أُمَّ فُلاَنٍ، انظري أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ”، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. وهذا من حِلْمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم، وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي هذا دلالة شرعية على وجوب تكفل الحاكم برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة صحيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ونفسيًّا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسدِّ احتياجاتهم.
ومن صور هذه الرعاية:
– العلاج والكشف الدوري لهم.
– تأهيلهم وتعليمهم بالقدر الذي تسمح به قدراتهم ومستوياتهم.
– توظيف مَن يقوم على رعايتهم وخدمتهم.ولقد استجاب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لهذا المنهج النبوي السمح، فأصدر قرارًا إلى الولايات: “أن ارفعوا إليَّ كُلَّ أعمى في الديوان، أو مُقعَد، أو مَن به فالج، أو مَن به زَمَانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة”. فرُفعوا إليه، وأمر لكل كفيف بموظف يقوده ويرعاه، وأمر لكل اثنين من الزَّمْنَى – من ذوي الاحتياجات – بخادمٍ يخدمه ويرعاه.
وعلى نفس الدرب سار الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (رحمه الله تعالى)، فهو صاحب فكرة إنشاء معاهد أو مراكز رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، فأنشأ (عام 88هـ/ 707م) مؤسسة متخصصة في رعايتهم، وظَّف فيها الأطباء والخدام، وأجرى لهم الرواتب، ومنح راتبًا دوريًّا لذوي الاحتياجات الخاصة، وقال لهم: “لا تسألوا الناس”. وبذلك أغناهم عن سؤال الناس، وعيَّن موظفًا لخدمة كل مقعد، أو كسيح، أو ضرير.
الأولوية في الرعاية وقضاء احتياجاته 
وإذا كان الإسلام قد قرر الرعاية الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على قضاء حوائجهم، فقد قرر أيضًا أولوية هذه الفئة في التمتع بكافة هذه الحقوق، فقضاء حوائجهم مُقدَّم على قضاء حوائج الأصحاء، ورعايتهم مقدمة على رعاية الأكفاء؛ ففي حادثة مشهورة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبس في وجه رجل أعمى – هو عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه – جاءه يسأله عن أمرٍ من أمور الشرع، وكان يجلس إلى رجالٍ من الوجهاء وعِلْية القوم، يستميلهم إلى الإسلام، ورغم أن الأعمى لم يرَ عبوسه، ولم يفطن إليه، فإن المولى تبارك وتعالى أَبَى إلا أن يضع الأمور في نصابها، والأولويات في محلها، فأنزل سبحانه آيات بينات تعاتب النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم عتابًا شديدًا:
يقول الله فيها: {عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى(2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 1- 4].
عفوه صلَّى الله عليه وسلمَّ عن سفهائهم وجهلائهم 
وتجلت رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم بذوي الاحتياجات الخاصة في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم؛ ففي معركة أُحُد (شوال 3هـ = إبريل 624م)، لما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وينال منه، وأخذ في يده حفنة من تراب، وقال – في وقاحة – للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك، لرميتك بها. حَتى همَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذا الأعمى المجرم، فأَبَى عليهم نبي الرحمة، وقال: “دعوه!”.ولم ينتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أَبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العفو عنه، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، بل كانت سُنَّته معهم الرفق بهم، والاتعاظ بحالهم، وسؤال الله أن يشفيهم ويعافينا مما ابتلاهم.
الدعاء لهم:
وتتجلى – أيضًا – رحمة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالفئات الخاصة من ذوي الاحتياجات، عندما شرع الدعاء لهم، تثبيتًا لهم، وتحميسًا لهم على تحمل البلاء؛ ليصنع الإرادة في نفوسهم، ويبني العزم في وجدانهم. فذات مرة، جاء رجل ضرير البصرِ إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقَالَ الضرير: ادعُ اللَّهَ أنْ يُعافيني. قَالَ الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: “إنْ شِئتَ دَعوتُ، وإنْ شِئتَ صبرتَ فهوَ خيرٌ لك”. قَالَ: فادعُهْ. فأمرَهُ أنْ يتوضَّأ فيُحسنَ وُضُوءَهُ، ويدعو بهذا الدعاء: “الَّلهُمَّ إنِّي أسألكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ مُحَمَّد نبيِّ الرَّحمةِ، إنِّي توجَّهتُ بكَ إِلى رَبِّي في حاجتي هذِهِ لتُقْضَى لي، الَّلهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيَّ“.
تحريم السخرية منهم 
كان ذوو الاحتياجات الخاصة في المجتمعات الأوربية الجاهلية، مادةً للسخرية، والتسلية والفكاهة، فيجد المعاق نفسه بين نارين: نار الإقصاء والإبعاد، ونار السخرية والشماتة؛ ومن ثَمَّ يتحول المجتمع – في وجدان أصحاب الإعاقات – إلى دار غُربة، واضطهاد، وفرقة. 
فجاء الشرع الإسلامي السمح؛ ليحرّم السخرية من الناس عامة، ومن أصحاب البلوى خاصةً، ورفع شعار “لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك”. وأنزل الله تعالى آيات بينات تؤكد تحريم هذه الخصلة الجاهلية، فقال:
{
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *