تحليل مسرحية ” لعبة الوهم والحقيقة” لعبد الكريم برشيد

أولا/ تأطير النص:
                  يعتبرالمسرح فنا متشعبا ومركبا نتيجة انتمائه المـزدوج إلى مجالين مختلفين، فهو ينتمي إلي الأدب من جهة النص الدرامي ، وينــتمي إلي فنون العـرض من جهة العرض المسرحي، ومن ثم فإنّ هذا التكوين المزدوج للمسرح (نص/عرض) يجعـل منــه فــن المفارقات بامتياز ، فن ينسج خصوصيته ، ويمــنح العناصر المكوّنة لبــنيته خصوصيات تشكل مرجعياته المتباينة،
     ويعتمد النص المسرحي، باعتباره نصا لفظيا بامتياز ، الخيال وسيلة للتعبير عن مقصدياته، كما أنّه خطاب يقــدّم لقرّاء كثيرين يقرأونه في أي زمان ، ومكان يشاؤون ، وهــذا بخلاف العرض المسرحي المرتبط بزمان ومكان معينين،وعلى أساس هذه الطبيعة الفنية للفن المسرحي بدأت المحاولات المسرحية الأولى في العالم العربي في أوائل القرن التاسع عشر على يد رواد المسرح العربي أمثال مارون النقاش وأبي خليل قباني توفيق الحكيم وغيرهم ،ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف المسرحيون العرب في البحث عن مسرح عربي يستجيب لتطلعات القارئ والجمهور العربي المتعطش إلى الفرجة المسرحية ولطموحات المبدعين والدارسين التواقين إلى الاستفادة من الموروث الحضاري العربي بغاية بناء نظرية مسرحية عربية تجد جذورها في الثقافة الأدبية والشعبية القديمة ،وأثمرت هذه المحاولات ظهور تجارب مسرحية عربية متعددة تأتي نظرية المسرح الاحتفالي لعبد الكريم برشيد وجماعة الاحتفاليين المغاربة في مقدمتها ، لقد حاول الاحتفاليون المغاربة الجمع بين التنظير للمسرح والتطبيق الإبداعي لنظرياتهم المسرحية ، وهذا أعطانا أعمالا مسرحية طبقت النظرية الاحتفالية في بنيتها ومحتواها في العديد من الإبداعات والعروض المسرحية ،وتعتبر مسرحية “لعبة الوهم والحقيقة” لعبد الكريم برشيد مثالا حيا لهذا المزج بين الإبداع والتنظير في المسرح من خلال اعتمادها على تقنية المسرح داخل المسرح . فما الذي يميز هذا النص المسرحي على مستوى الحدث والموضوع؟ما الذي يطبع بناءه السردي والعاملي؟بم تتميز شخصياته من حيث أوصافها ودلالتها ورمزيتها؟ما خصوصية الحوار والصراع الدرامي في النص؟ ما دور الإرشادات المسرحية في نص برشيد؟وما مقصدية النص؟وإلى أي حد نجح الكاتب في التعبير فنيا عن موضوع ومقصدية نصه؟
ثانيا/تحليل النص:
1.      ملخص الأحداث:
          تحكي مسرحية برشيد عن مجموعة من الممثلين هم : ، عطيل، السيد غموض، شهريار، البوهو، وربيع؛ إضافة إلى المخرج وقعوا عقدا مع المخرج وأتوا إلى المسرح لانتظاره ،وعلى الركح ، وللتخفيف من وقع الانتظار، دخل الممثلون في لعبة التمثيل وارتجال الأدوار نشأت على إثرها مشاهد مسرحية اندمجوا فيها بشكل كبير إلى الحد الذي جعلهم يتنكرون للمخرج عند وصوله، فكل واحد منهم رأى فيه شخصية متصلة بمساره الخاص، فعطيل رأى فيه ياجو، والبوهو رأى فيه يهوذا وشهريار رأى فيه المخرج الذي صنع شهريار الجديد، لذا اعتقلوه ووضعوه في قفص من أجل محاكمته،وهذا ما جعل المخرج يفاجأ، ويختلط عليه الوهم بالحقيقة، ويكشف عن نفسه، ويحاول دفعهم إلى نسيان أدوارهم القديمة معبرا عن اقتناعه بكفاءتهم في التمثيل ، وعندما سئل عن النص، أعلن أنه لا يملك نصا جاهزا بل مشروعا فقط ، وأنه يريد تمثيلا يقوم على الارتجال، مما سيتيح المجال، مرة أخرى، للعبة التمثيل داخل التمثيل كي توقع الممثلين في إسارها ويبلغ اختلاط الحقيقة بالتمثيل أقصى درجاته.
2– موضوع المسرحية:
             وانطلاقا من هذه الأحداث تعالج مسرحية برشيد  موضوعا مركزيا يتمحور حول ثنائية : الحياة / التمثيل ،أو الحقيقة / الوهم، وعلى أساس الالتباس بينهما، تقوم كل الأفعال الصادرة عن الشخصيات في  المسرحية، بحيث نلاحظ أن كل شخصية لا تتوقف عن لعبة التحول بشكل يذوب معه مفهوم الشخصية نفسه، ويتعذر مع هذا التحول التمييز بين الواقعي والمتخيل، مما يجعلنا نستنتج أن النص يهدف إلى إضفاء النسبية على مفهوم الواقع، وذلك من خلال أحداث  وشخصيات متحولة باستمرار، وممثلين يتخذون لبوسا جديدا كل مرة، ويحيون، بالتالي، حياة متغيرة شأنها شأن الممثلين في العرض المسرحي، وإذا كانت موضوعة الحقيقة والوهم قد أضفت بعدا فلسفيا على النص، فإن برشيد لم يتردد في ملامسة موضوعات متصلة بالمسرح نفسه مثل : وضعية الممثلين، وظيفة المخرج، مفهوم الصراع ومفهوم الارتجال في المسرح،كما ربطت المسرحية بين قضية الممثل وقضية المخرج، وجعلتنا، بالتالي نلامس وظيفة المخرج و صورته اللاإنسانية، لأنه يريد تحويل الممثل إلى كائن ليس له أي انتماء ذاتيا كان أو جماعيا، زمانيا كان أو مكانيا، أي يريد تجريده من صفة ” إنسان .”
3-  المتواليات السرد ية:
تعاقد الممثلين الستة مع المخرج لتشخيص أدوار شيطانية ¬حضورهم مبكرا إلى مسرح الضباب¬ اندماجهم في تمثيل أدوار ارتجالية في انتظار وصول المخرج¬ وصول المخرج ووضعه داخل قفص من طرف الممثلين¬خوفه على نفسه واعترافه لهم بكفاءتهم في التمثيل¬ سؤالهم المخرج عن نص المسرحية¬ إخبارهم بأنه لا يملك نصا جاهزا¬ انخراط الجميع في عرض مسرحي مرتجل.
4-      الخطاطة السرد ية:
الوضعية الأولية
سيرورات الأحداث
الوضعية النهائية
اندماج الممثلين في تشخيص أدوار مرتجلة في انتظار وصول المخرج
حدث طارئ
تطورات الأحداث
النتيجة
استمرار الممثلين في أداء أدوار مرتجلة حتى بعد مجيء المخرج
وصول المخرج
          ووضع المخرج داخل قفص من طرف الممثلين
          خوفه على نفسه واعترافه لهم بكفاءتهم في التمثيل
          سؤالهم المخرج عن نص المسرحية
          إخبارهم بأنه لا يملك نصا جاهزا
دخول الممثلين والمخرج في تشخيص عرض مسرحي مرتجل
5-      الخطاطة العاملية:
المرسل   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¬                 الموضوع   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¬      المرسل إليه
 (الإبداع)                                                      (إثبات الذات)                            (الحقيقة والاعتراف)
                                                                 ­                                      
     المساعد     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¬                  الـــذات            ®ـــــــــــــــــــــــــــــ             المعاكس
(الذاكرة – الارتجال –                                                          ↑                                                                 ↑
البراعة في التمثيل)                                           (الممثلون والمخرج)                    (التمثيل والمعرفة القبلية)
                                                                                     
6- الشخصيات:
                      أما الشخصيات المسرحية في هذا النص فهي أقنعة رمزية ويمكن تصنيفها إلى أصناف عدة، فهناك شخصيات تراثية(شهريار- البوهو) وأدبية (ربيع)وشخصيات معاصرة تنتمي إلى الحاضر(عطيل)، كما أن هناك شخصيات مثالية مثل:رابعة…و هناك شخصيات غامضة مثل: السيد غموض – المخرج.. تملك كلها الموهبة والقدرة على تشخيص الأدوار الشيطانية وإخراج ما في الأعماق البشرية من شر كامن في النفوس. وسنحاول في ما يلي رصد مواصفات الشخصيات المذكورة في المسرحية التي صاغ الكاتب أسماءها في صيغة مفارقة ورمزية:
دلالتهـــا
أوصـــــــافهــــــا
الشخصيات
ترمز للتراث الحكائي العربي القديم كمصدر من مصادر المسرح الاحتفالي
شخصية ذات حمولة تراثية مرتبطة بحكايات ألف ليلة وليلة الشهيرة،حولتها الخيانة إلى وحش يسعى إلى إفناء اجنس الإناث من الوجود ، لكن قدرة شهرزاد على الحكي نجحت في تحويله إلى إنسان عاقل وعادل،يبدو في المسرحية شخصية متعارضة مع عطيل والمخرج،ويملك قدرة هائلة على تمثيل الأدوار الشيطانية كباقي الشخصيات…
شهريار
رمز الامتداد الكوني للمسرح الاحتفالي
يحيل اسمه إلى الطابع العالمي للشخصية ،فهو بطل من أبطال مسرحيات شكسبير رائد المسرح الغربي ورمزمن رموز التراث المسرحي العالمي ،بارع في التمثيل لدرجة  أن المخرج اختلط عليه التمثيل بالواقع وعجز عن اكتشاف ذلك،هو الآخر مستعد لوضع نفسه رهن إشارة المخرج والاندماج في تمثيل مرتجل يتمحور حول أدوار شيطانية تكرس الطبيعة المتوحشة للكائن البشري
عطيل
رمزالامتداد الأدبي للمسرح الاحتفالي
شخصية ذات حمولة أدبية وتراثية ترتبط بالرواية الرومانسية وأجوائها الحالمة، نجح في وضع المخرج أمام الأمر الواقع و دفع به إلى الاعتراف ببراعته وكفاءته في التمثيل
ربيع
رمز البعد الشعبي والتراث المحلي المغربي
يحيل اسم البوهو شخصية تراثية شعبية تعرف بأسماء مختلفة في المغرب ،يلبس جلود أضحية عيد الأضحى، ويضع قناعا مخيفا على الوجه بقرني كبش، والمرافقون يعزفون على آلات إيقاعية تقليدية ويرددون أهازيج محلية، الاسم يرتبط بلباس عدد جلود الخرفان التي تم ذبحها يوم العيد أي سبعة «بطاين» الأولى في اليد اليسرى والثانية باليد اليمنى، والثالثة بالظهر والرابعة على الصدر والخامسة والسادسة على الرجلين اليمنى واليسرى، و السابعة توضع على الحزام.هو الآخر حضر إلى المسرح بعد أن تعاقد مع المخرج ،كباقي الممثلين ، لتشخيص الأدوار الشريرة،وأقنع المخرج بقدراته على التمثيل والارتجال،كما خاض صراعا مع الممثلين ارتبط بطبيعة تكوينه الشخصية وجذوره التراثية.
البوهو
رمز لكل ما لا ندركه في داخلنا ونحار في كونه وهما أم حقيقة
شخصية ثانوية في النص ،قليل الكلام والتدخل،وربما صمته هو ما يجعل منه غامضا لا يفصح عن أفكاره ونواياه،لكن هذا لا يقلل من قيمته كممثل يستطيع الاندماج مع الأدوار الشيطانية ، كما يستطيع الارتجال وإقناع المخرج بكفاءته في التمثيل.
السيد غموض
رمز المعرفة النسبية  بالمسرح
شخصية شيطانية تريد تحويل الممثلين إلى وحوش من خلال نزع الإنسانية منهم ودفعهم إلى إخراج الوحش الكامن فيهم ،تشكك في قدرات الممثلين وتخضع  في النهاية للواقع المفروض عليها من خلال اعترافه بقدرتهم على التمثيل،وهذا ما عكسه خوفه منهم حين وضعوه داخل القفص واعتقاده بأن ما يحدث له حقيقي قبل أن يدرك بأنه ضحية تمثيل مرتجل.
المخرج
     الحوار:
هو الكلام الذي دار بين الممثليين، وأدى إلى تنامي الحدث الرئيس و تطور الصراع الدرامي، أي أن الحوار هنا هو نمو اختلاف وجهات النظر بين الممثلين في قضايا محددة، ومنه نمت القصة حتى نهاية الصراع، ويبدو أن الحوار، استنادا إلى ذلك ،دار حول قضية متنازع فيها(النص والارتجال)، وذات طابع جدلي برهاني حجاجي، وهذا ما جعل منه حوارا مسرحيا،وبهذا المعنى فإن الحوار في المسرحية قام – مقطعيا – حول ما يلي:
          حوار بين الممثلين لحظة وصولهم إلى المسرح وانتظارهم وصول المخرج،وهم مواضيع مختلفة ارتبطت بتعارفهم وتبادلهم وجهات النظر في العديد من القضايا وأهمها موضوع المسرح ونتج عن هذا الحوار اندماجهم في أدوار مرتجلة استمرت حتى وصول المخرج ووضعهم له داخل القفص.
          حوار بين الممثلين والمخرج انصب على وضعه داخل القفص،وقدراتهم على التمثيل وتشخيص الأدوار الشيطانية ، ثم حول التمثيل والنص المسرحي وموضوع الارتجال حين أخبرهم المخرج أنه لا يتوفر على نص جاهز للعرض.
وقد قام الحوار في المسرحية بوظيفة السرد والإخبار وكشف المواقف ، وتنظيم الفضاء وتحديد الزمان…اختصارا احتل مكانة السرد وقام بكل المهام التي يقوم بها في النصوص السردية غير المسرحية.
8- الصراع الدرامي:
تتعامل المسرحية مع موضوع الصراع الدرامي من خلال رسم ملامح الصراع كما يلي:
     البعد الشيطاني في شخصية المخرج، لاسيما وأنه يجعل طرفيه الأساسيين هما : الإنسان والمخلوق الغريب الذي يهوى اصطياد البشر.
     المخرج والممثلون من خلال التعارض القائم بين براعتهم في التمثيل ومعرفته بالإخراج وجودة الممثل ووقوعه في فخ عدم التمييز بين التمثيل والحقيقة حين وضعوه داخل القفص.
     التعارض القائم بين الممثلين بعضهم البعض،إذ يحمل كل واحد منهم دلالة رمزية تختلف عن الآخر وتجعله في تعارض معه،فحتما هناك صراع بين التقليدي والكوني والإنساني ، بين الرومانسي(ربيع) والواقعي (شهريار)…
     التعارض بين الفضاء المسرحي والهواء الطلق.
     التعارض بين الارتجال والنص المسبق في التمثيل.
     التعارض بين الخير والشر
9- الزمان والمكان :
يدور الحدث المسرحي داخل البناية المسرحية وتحديدا فوق الركح حيث انشغل الممثلون بارتجال أدوار تزيل عنهم رتابة الانتظار التي تولدت لديهم نتيجة تأخر وصول المخرج وباعتبار الطبيعة المغلقة للمكان فإن ما يحدث داخله وفيه من أفعال مؤشر على وقوع المحظور والأفعال غير العادية فالتعاقد على تشخيص الأدوار الشريرة والشيطانية وإصرار المخرج على استفزاز الممثلين ودفعهم لإخراج أقصى ما يوجد في داخلهم من شر يناسب بشكل كبير الطبيعة المغلقة للمكان المسرحي ، علينا أيضا استحضار أماكن أخرى لا تقل أهمية في المسرحية مثل القفص والركح…لكنها لا تخرج عن الطبيعة العامة للمكان في هذا النص .
أما على مستوى الزمن فالأحداث في المسرحية تدور وفق زمنين متصلين ومستمرين فيما بينهما فالتعاقد مع المخرج والحضور إلى المسرح وانتظار وصول المخرج  أحداث ماضوية تؤشر على وقوعها أفعال الزمن الماضي الواردة في الحوار، بينما ارتجال الأدوار والاندماج في لعبة التمثيل التي أفضت إلى ترهيب المخرج واختلاط التمثيل مع الواقع عليه وما تلا ذلك من أحداث يرتبط بلحظة حاضرة تؤطر زمن الأفعال ، ذلك أن الفعل المسرحي هو دائما وليد لحظة حاضرة. لحظة التمثيل وتشخيص الأدوار المسرحية.
10- الإرشادات المسرحية:
تتعلق بكل العبارات التي تكون بين قوسين أو مزدوجتين في العمل المسرحي المكتوب، تشير إلى الزمان أو الحركة أو الفضاء؛ وهي بذلك مساعدة للمخرج  والممثلين في نقل المسرحية من الكتابي إلى البصري، وتؤدي هذه الإرشادات الوظيفة الميتامسرحية، ويعني هذا أنها توضح لعبة الفعل المسرحي، وتكشف أسراره عن طريق التوضيح والتفسير والنقد والتعليق، كما نجد ذلك واضحا في مسرحية ” لعبة الوهم والحقيقة:” في تلك ا المشاهد التي تدور على ركح المسرح أثناء انتظار الممثلين وصول المخرج،  أو بعد وصوله واندماج الجميع في مشاهد مرتجلة اختلط فيها الوهم بالحقيقة ،لقد انصبت الإرشادات على حركات الممثلين ونبرات أصواتهم ووضعياتهم أثناء التمثيل أو قبله ، ونابت عن الحوار في تسليط الضوء على طبيعة ما يحدث من أفعال فوق الركح.
11ـ الأسلوب:
هيمن على النص أسلوب الاستفهام، لأن الشخصيات دائما تطرح أسئلة دون أن تنتظر إجابة فعلية ويقينية لأسئلتها، مما يعني أن النص تسيطر عليه فكرة فلسفية متعلقة بالوجود وبالقيم، وبمفهوم المكان والزمان والعلاقة بين الارتجال والنص والعرض المسرحي، كما طرحت أسئلة حول بعضها البعض أو حول ما يقوم به بعضها من أفعال وحركات في سياق التذكير المستمر أن ما يحدث فوق الركح هو مجرد تمثيل وأن الممثلين وأسماءهم مرتبطة بأدوارهم فقط لذلك ينمو النص فكريا و حركيا، وبشكل عام فإن الأسلوب الإنشائي يسجل حضورا مهما في لغة النص دون أن يعني ذلك غياب الأسلوب الخبري المرتبط بالإرشادات المسرحية وببعض المقاطع الحوارية التي اهتمت بذكر بعض المعلومات أو التفاصيل المتعلقة بالشخصيات والمخرج.
12 ـــ مقصدية النص :
في كل ماسبق كان علينا التفكير في جواب عن سؤال الغاية من كتابة برشيد لهذا النص ، والواضح أنه أراد أن يقدم تطبيقا إبداعيا لنظرية المسرح الاحتفالي ، ففسح المجال لتقنية المسرح داخل المسرح خلال الحوار الدائر بين الممثلين ، ومن خلاله سعى إلى تقديم تصور نظري تجسده قولة برشيد الاحتفالية ليست مجرد شكل مسرحي قائم على أسس وتقنيات فنية مغايرة، بل هي بالأساس فلسفة تحمل تصوراً جديداً للوجود والإنسان والتاريخ والفن والأدب والسياسية والصراع” وعموما فمغزى النص يتحدد من خلال الهدف العام للاحتفالية والرامي  إلى  تحرير الانسان، بشكل عام، من الآلية والوحشية على أساس شعار (إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة)
ثالثا/ الخلاصة والتركيب
لقد اعتمد عبد الكريم برشيد في هذه المسرحية على تنوع الشخصيات وتعدد الأماكن من التاريخ ،وجعلها رموزا في مسرحيته ربط بواسطتها بين الحاضر والماضي والحقيقة والوهم، كما استثمرها في نسج الطابع الاحتفالي للمسرحية (أركاديا ونيسابور وشهريار والبوهو وربيع والسيد غموض و عطيل )، وعالج من خلالها قضية فنية تشغل بال كل المهتمين بالمسرح، وتهم العلاقة التي تجمع بين المخرج والممثلين، علاقة يطبعها التجاذب والتشنج في الغالب بسبب ضعف ، أو سمو الكفاءة من الجانبين أحيانا كثيرة ، وهكذا تناولت المسرحية موضوع الصراع بين مجموعة من الممثلين والمخرج واختلاف تصوراتهم حول التمثيل والارتجال، اختلاف جعل لعبة الوهم والحقيقة تنطلي حتى على المخرج الذي عاش لحظات من الرعب والخوف لحظة وصوله إلى المسرح ووضع الممثلين له داخل قفص قبل أن يفهموه أنه كان جزءا من دور مرتجل ، لكن اطلاء الحيلة عليه لم تمنعه من دفعهم إلى إخراج أسوأ ما فيهم وهو جانبهم الشيطاني.
وفي رأيي فإن “لعبة الوهم والحقيقة” خير نموذج درامي ونص مسرحي يعبر بكل وضوح وجلاء عن النظرية الاحتفالية باعتبارها بديلا للمسرح الغربي الأرسطي، كما أن هذا النص الاحتفالي يشكل مرحلة مهمة في تأصيل المسرح العربي وتأسيسه. ولكن تبقى المشكلة الأساسية في هذا المسرح ،كما يطرحه النص ، في صعوبة التحرر من البناية المسرحية التي تتناقض والنظرية الاحتفالية التي تدعو إلى فضاء مفتوح كالساحات والأماكن العمومية والفضاءات المنفتحة وأماكن الحلقة .

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *