ادب الترسل


تعريف
لغة : والترسل من تراسلت أترّسل ترسّلاً و أنا مترسل،و لا يقال ذلك إلا لمن يكون فعله في الرسائل قد تكرر،وراسل يراسل مراسلة فهو مراسل؛و ذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة، و أصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بَعُدَ أو غاب،فاشتق له اسم الترسل و الرسالة من ذلك»
اصطلاحا
أما من الجانب الاصطلاحي فإننا نجد أن الترسل يأخذ معنى كتابة الإنشاء وفي ذلك يقول القلقشندي:« فأما كتابة الإنشاء فالمراد بها كل ما رجع من صناعة الكتابة إلى تأليف الكلام،وترتيب المعاني من المكاتبات،والولايات والمسامحات،والإطلاقات،ومناشير الإقطاعات ،والهدن،والأمانات،والأيمان، و ما في معنى ذلك ككتابة الحكم و غيرها.»

أنواعه:

أـ الترسل الديواني:

تسمى الرسائل التي تصدر عن ديوان الرسائل، الرسائل الديوانية نسبة إليه.وفي هذا يقول عبد العزيز عتيق(17 ) عن الرسالة الديوانية: «وهي الصادرة عن ديوان الخليفة،و الأمير يوجهها إلى ولاته و عماله و قادة جيوشه،بل إلى أعدائه أحيانًا منذرًا متوعدًا،كما ينبئنا الشريف الرضي في وصف رسائل أبي إسحاق الصابي:

وصحائف فيها الأراقم كُمّن

مرهوبة الإصدار و الإيراد

حُمْر على نظر العدو كأنما

بدمٍ يخطُّ بهنَّ لا بمداد

ب-الترسل الإخواني:

وفي مقابل الترسل الديواني، يوجد نوع آخر من الترسل يعرف بالترسـل الإخواني،وهو« الذي يكتبه الناس بعضهم إلى بعض في موضوعات إخوانية، كالتهنئة، والتعزية والبشارة والعتاب، وغير ذلك من أمور الحياة يعبّر بها كاتبها عن الشوق و الحنين للأهل و الأصحاب

خصائصه البنائية

بعد أن تحدثنا عن أنواع الترسل،سنتكلم عن الخصائص البنائية لهذه الرسائل وما يشتمل عليه كل جزء من أجزاء الرسالة؛من المقدمات إلى المضمون إلى الخاتمة وما ينبغي أن تشتمل عليه تلك الأجزاء.

أ ـ بنية المقدمات:

عرف البناء الهيكلي للرسالة تطورات مختلفة خلال مسيرته في تاريخ الأدب العربي،منذ رسالة عبد الحميد إلى الكتاب إلى موسوعة أبي العباس القلقشندي مرورًا بغيرهما من المؤلفات التي نظَّرت لهذا اللون الأدبي،وعن هذا الاختلاف يقول الكلاعي:«و نظرت ـ أعزك الله ـ في صور الرسائل واستفتاحاتها فوجدتها أيضًا تختلف»( 31)ومقدمات الرسائل ـ ديوانية كانت أو وإخوانية ـ تشتمل عادة بعد البسملة والصلاة على النبيr على المُرسِل والمرسَل إليه،وتتضمن الدعاء،إضافة إلى التحية التي تذكر قبل البعدية وقبل الختام.

وتختلف استفتاحات الرسائل،ويختار الاستفتاح المناسب لمنزلة المرسل إليه فقد يذكر مقدمًا عن المرسِل بصيغة: لفلان من فلان.وقد يؤخر ذكره فيكتب: من فلان لفلان،وتكون في حالات أخرى بإيراد كنية المرسل إليه أو رتبته،غير أن كل الاستفتاحات كان يراعى فيها الجودة والحسن والبراعة لأنها تقع في البداية وهي أول ما يطرق السمع من الكلام،فيكون داعية للانشراح و إثارة انتباه المتلقي،وقد كان يُلْجَأُ إلى المنظوم فتُبدأُ الرسالة بأبيات شعرية لكاتبها أو لغيره تدل على المضمون العام لها و تختصره في كلماتها،وكثيرًا ما يلجأ الكتاب إلى الإشارة إلى غرض الرسالة في مطالعها ومقدماتها كعملية ربط وحسن تخلص.

ب ـ بنية المضامين:

ينتقل كتاب الرسائل إلى المراد من رسائلهم وبحسن تخلص لِطَرْقِ الموضوع الذي يريدون معالجته في رسائلهم،وغالبًا يقع حسن التخلص بصيغة:أما بعد وهي وقفة بين الابتداء والشروع في الموضوع المراد ذكره في الرسالة،وقد تنوعت المضامين في الرسائل بنوعيها ـ الإخواني والديواني ـ ومست مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية،فكان كتاب الدواوين يكتبون بتولية القادة والقضاة والأمراء،ويكتبون بمناسبة نصر جيوش المسلمين والتهنئة بذلك.

وفي الإخوانية يتبادل الأصدقاء الرسائل ويتطرقون فيها إلى الشوق والاعتذار والتهنئة بالزواج والمولود الجديد والتعزية والشكر و الدعوة إلى حضور مناسبة من المناسبات وغيرها من الموضوعات

نموذج رسائل من ادب الترسل
لمّا صحت نيتي على أن أتصلَ بشيخنا الرافعيّ – رحمه الله – رأيتُ أن أسألهُ عن أفضل كتبِ النحو والصرفِ – وقد كنتُ سألتُ قبل ذلكَ عن هذا الأمر المغفورَ لهُ الشيخ عبدالعزيز جاويش رحمه الله فأجابني أن خير كتبِ النحو ِ كتابُ سيبويه والمفصّل للزمخشري – )

طنطا في 20 ديسمبر سنة 1912

أيّها الأديبُ الفاضلُ

السلامُ عليكم ، وبعدُ ،
فإنّي أشكرُ لكَ ما أطريتَ وأحمدُ إليكَ كما أثنيتَ ، وأرجو أن تكونَ أهلاً لخير ٍ ممّا وصفتني بهِ – إن شاءَ اللهُ – ، فإنّ الأدبَ يرقبُ نوابغهِ دائماً من بينِ المعجبينَ بهِ والراغبينَ فيهِ وذوي الحرصِ عليهِ . أمّا ما سألتَ من أمرِ كتبِ النحو ِ والصرفِ ، فيشقُّ علي أن أدلّكَ على غرضكَ منها ، لأنّي لستُ على بيّنةٍ من قوّتكَ في فهم كتبِ القوم ِ ، والبصر ِ بها ، غير أنّكَ لو سألتني عن أنفعِ وأمتعِ كتابٍ طُبعَ في النحوِ ، لدللتكَ على ” شرحِ الكافيةِ للرضي ” ، وهو كتابٌ ضخمٌ ليسَ في كتبِ العربيةِ ما يساويهِ بحثاً وفلسفةً .

وللرضي أيضاً شرحٌ على الشافيةِ في الصرفِ ، هو كصنوهِ في النحوِ لا يعدلهُ غيرهما ، فاشترهما ، وضُمّ إليهما كتابَ ” متن ِ التوضيحِ ” لابن هشام ٍ ، وشرحه ِ ، فإن لم تنتفعْ بالأولين انتفعتَ بالآخرين ِ .
وإلى اللهِ الدعاءُ في توفيقكَ وتسديدكَ ، وأذكرُ أنّي معجبٌ برغبتكَ في الأدبِ وإخلاصكَ لأهلهِ .

والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته

مكانة ادب الترسل في الثقافة العربية القديمة
هذا الأدب الذي تعود أصوله في أدبنا العربي الى صدر الاسلام , والحاجة الى الرسائل توجه الى الأمصار المختلفة تتضمن الدعوة الى الدين الجديد , أو توجيه القادة , ثم اتسع أدب الترسل في
العصر الأموي ثم بلغ ذروته في العصر العباسي , عصر ازدهار النثر الى جانب الشعر , فكانت رسائل متنوعة الموضوعات كالرسائل الفلسفية المتمثلة في رسائل أخوان الصفا , والرسائل الطبية كرسالة في الحصبة ورسالة في الجدري لأبي بكر الرازي , وسائل فلكية كرسالة في وجه القمر للحسن بن الهيثم ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري ورسالة التربيع والتدوير للجاحظ وهي رسالة ساخرة ثم كانت رسالتا ابن زيدون في الاندلس الجدية والهزلية ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد وهي رسالة خيالية ,وفي العصر الحديث ارتقى أدب الترسل من خلال رسائل أدباء مرموقين الى أدبيات مرموقات والعكس صحيح أيضاً كرسائل جبران خليل جبران الى مي زيادة المجموعة في كتاب – الشعلة الزرقاء – ورسائل مي الى جبران ورسائل الأديب الراحل غسان كنفاني الى الأديبة غادة السمان ورسائل الشاعر الراحل عبد الباسط الصوفي الى حبيبته
رواد ادب الترسل
العصر الجاهلي :عدي بن زيد العبادي – لقيط بن يعمر الإيادي .
عصر صدر الإسلام : عمر بن الخطاب .
العصر الأموي : عبد الحميد الكاتب – سالم مولى سعيد بن عبد الملك بن مروان .
العصر العباسي : الحسن بن رجاء كاتب الأمون – ابن الزيات وزير المعتصم والواثق – ابن مقلة .
العصر الحديث : جبران خليل جبران – مي زيادة – مصطفى صادق الرافعي – لطفي المنفلوطي – ميخائيل نعيمة – صدقي إسماعيل .

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *