ادب المقامة

المقامات هي مجموعة من الكلام الفصيح المغلى بالصدف والمرجان مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي يدعى أبو الفتح الإسكندري وعرف بخداعه ومغامراته وفصاحته وقدرته على قرض الشعر وحسن تخلصه من المآزق إلى جانب أنه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه والضحكة من الأعماق. ويروي مغامرات هذه الشخصية التي تثير العجب وتبعت الإعجاب رجل وهمي يدعى عيسى بن هشام. يعتبر كتاب المقامات أشهر مؤلفات بديع الزمان الهمذاني الذي له الفضل في وضع أسس هذا الفن وفتح بابه واسعاً ليلجه أدباء كثيرون أتوا بعده وأشهرهم أبو محمد القاسم الحريري وناصف اليازجي. ولهذا المؤلف فضل كبير في ذيوع صيت ‘ بديع الزمان الهمذاني لما احتواه من معلومات جمة تفيد جميع القراء من مختلف المشارب والمآرب إذ وضعه لغاية تعليمه فكثرت فيه أساليب البيان وبديع الألفاظ والعروض, وأراد التقرب به من الأمير خلف بن أحمد فضمنه مديحاً يتجلى خاصة فيالمقامة الحمدانية والمقامة الخمرية فنوع ولون مستعملاً الأسلوب السهل, واللفظ الرقيق, والسجع القصير دون أدنى عناء أو كلفة.
تنطوي المقامات على ضروب من الثقافة إذ نجد بديع الزمان’‘ يسرد علينا أخباراً عن الشعراء في مقامته الغيلانية’‘ و’‘ مقامته البشرية ويزودنا بمعلومات ذات صلة بتاريخ الأدب والنقد الأدبي في مقامته الجاحظية والقريضية والإبليسية, كما يقدم فيالمقامة الرستانية وهو السني المذهب, حجاجاً في المذاهب الدينية فيسفه عقائد المعتزلة ويرد عليها بشدة وقسوة, ويستشهد أثناء تنقلاته هذه بين ربوع الثقافة بالقرآن الكريم والحديث الشريف, وقد عمد إلى اقتباس من الشعر القديم والأمثال القديمة والمبتكرة فكانت مقاماته مجلس أدب وأنس ومتعة وقد كان يلقيها في نهاية جلساته كأنها ملحة من ملح الوداع المعروفة عند أبي حيان التوحيدي في “الامتناع والمؤانسة”, فراعى فيها بساطة الموضوع, وأناقة الأسلوب, وزودها بكل ما يجعل منها:
·         وسيلة للتمرن على الإنشاء والوقوف على مذاهب النثر والنظم.
·         رصيد لثروة معجمية هائلة.
·         مستودعاً للحكم والتجارب عن طريق الفكاهة.
·         وثيقة تاريخية تصور جزءاً من حياة عصره وإجلال رجال زمانه.
كما أن مقامات الهمذاني تعتبر نواة المسرحية العربية الفكاهية, وقد خلد فيها أوصافاً للطباع الإنسانية فكان بحق واصفاً بارعاً لا تفوته كبيرة ولا صغيرة, وأن المقامات هذه لتحفة أدبية رائعة بأسلوبها ومضمونها وملحها الطريفة التي تبعث على الابتسام والمرح، وتدعو إلى الصدق والشهامة ومكارم الأخلاق التي أراد بديع الزمان إظهار قيمتها بوصف ما يناقضها، وقد وفق في ذلك أيما توفيق.
أركان المقامة: 
تقوم المقامة على ثلاثة أركان: الراوي، والبطل، والنكتة
الراوي: 
يكون في كل مقامة راوٍ معين باسمه، يتكرر في جميع المقامات، فراوي مقامات الهمداني مثلاً هو (عيسى بن هشام) وراوي مقامات الحريري هو (الحارث بن همام) ..وهو من ينقلها عن المجلس الذي تقع فيه، ينتمي في غالب الأحيان الى طبقة اجتماعية متوسطة، يتابع البطل أو يصادفه، ويمهد أحياناً لظهوره، ويبدو وكأنه يتبعه أينما مضى، ويحسن طريقة تقديمه، ويسخط في غالب الأحيان على أخلاق البطل واحتياله وخداعه، ولا يكتشف أمره أحياناً إلا في نهاية المقامة.
البطل (الشحاذ(
ويكون لكل مجموعة مقامات معينة أيضاً بطل قصتها الذي تدور حوله، وتنتهي بانتصاره في كل مرة، وهو يتكرر في جميع المقامات تماماً كالراوي باسمه وشخصه، فبطل مقامات الهمداني مثلاً هو (أبو الفتح 
الأسكندري)، وبطل مقامات الحريري هو (أبو زيد السروجي)، وهو شخص خيالي – غالباً – مخادع ينتمي الى شريحة المحتالين الأذكياء البلغاء، الذين يستخدمون الحيلة والفطنة والدهاء في استلاب الناس أموالهم، لذا فإن أبرز ميزات البطلالشحاذ هي أن يكون خفي المكر، لين المصانعة، فتيق اللسان، شديد العارضة، مفوهاً حذاقياً، واسع المعرفة في صنوف الأدب وغريب اللغة وأحكام الدين وصنوف العلم، فهو شاعر وخطيب وواعظ، يتظاهر بالإيمان والزهد ويضمر الفسق والمجون، ويتصنع الجد ويخفي في طياته الهزل، ويظهر غالباً كشخص مسكين متهالك بائس، إلا أنه في واقع الأمر طالب منفعة.
والحقيقة أن الشخصية التي يستشعرها القارئ ليست شخصية البطل الأسطوري هذا وإنما هي شخصية مؤلف المقامة الذي ينبغي له أن يكون واسع الاطلاع على مختلف الفنون والعلوم، قدير في النظم والنثر والخطابة، قوي الملاحظة حاد الفكرة في حل الألغاز وكشف المبهمات، وهو بنفس الوقت هزل مرح النفس أمام الصعوبات واجتيازها.
النكتة: 
تدور كل مقامة من المقامات على نكتة خاصة وفكرة معينة يراد إيصالها عن طريق البطل الشحاذ، وتكون عادة فكرة مستحدثة، أو ملحة مستظرفة، وقد تستبطن فكراً جريئاً لا يدفع غالباً الى تبني السلوك الإنساني الطبيعي، أو الحث على مكارم الأخلاق، وموضعات المقامات تكون مختلفة، فمنها ما هو لغوي، أو أدبي، أو بلاغي، ومنها ما هو فقهي ، أو حماسي أو فكاهي، ومنها ما هو خمري أو مجوني، بحيث تترادف المقامات في مواضيع مختلفة خالية من النسق والترتيب أو يكون ترتيبها غير ظاهر الترابط بوضوح، فكل مقامة تعتبر وحدة قصصية قائمة بنفسها تعتمد وحدة المكان غالباً. ويغلب المقامات عادة الفكاهة والملح النادرة.
مقومات الشكل:
تعتمد المقامة في صياغتها وأسلوبها على التزام السجع، والإغراق في الصنعة اللفظية وتوظيف غريب اللغة، والمحسنات البديعية المختلفة لا سيما الجناس منها، وفنون البلاغة المتنوعة من تشبيهات وكنايات واستعارات واقتباس، ومقابلة وموازنة وما الى ذلك، فهي فن تزويق وتأنق لفظي.
اسم المقامة وطولها : 
غالباً ما تؤخذ أسماء المقامات من اسم البلد الذي انعقد فيه مجلسها، فمن أسماء مقامات الحريري مثلاً: المقامة الصنعانية، المقامة الحلوانية، المقامة الكوفية، المقامة المراغية، المقامة الدمشقية، المقامة البغدادية، المقامة السنجارية، ….، وتختلف المقامات فيما بينها في الطول، فقد تكون طويلة، وقد تكون قصيرة.
تأثير المقامة العربية في أدب العالم: 
يشير بعض النقاد الى أن المقامة العربية قد أثرت في الأدب الغربي تأثيراً واسعاً، فقد أثار بعض الباحثين مسألة تأثيرها في (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وكان لأثرها بروزٌ كبيرٌ وواضحٌ في قصص الشطّار الأسبانية التي تتحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس وقصص الطماعين والشحاذين، مما أوحى به مضمون المقامة، واعترف به المهتمون بالأدب الأندلسي استناداً الى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا.
من أشهر من كتب المقامات:
1 بديع الزمان الهمذاني :
المتوفى سنة 398هـ هو أول من ابتدع المقامات فعرف بها وعرفت به ،وقد لقيت انتشارا كبيرا ، وترحيبا عظيما ، طارت في الآفاق ، واشتهرت في الأرجاء ،لما فيها من جدة وطرافة ، وطرفة وملاحة ، وعذوبة وسلاسة ، ولما فيها من بث مباشر ،ونقل حي لكثير من الصور الاجتماعية ، والأحداث الجياشة ، ولما حوته من النقد، ونقلته من السخرية ، ووعته من القصص ، ثم هي مع ذلك ثروة لغوية ، وكنوز بيانية ،وقدرات بلاغية ، والمعلومات التي انطوت عليها المقامات أكثر من أن تحصى ، فهنالك القاموس اللغوي بجميع فروعه وامتداداته من ألفاظ غريبة ، وتعبيرات قديمة ، والغازوأحاجي ، وأمثال وحكم ؛ وهنالك القاموس العلميّ من طبِّ وفلك وما إلى ذلك ؛ وهنالكالقاموس التاريخي وفيه أيام العرب وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية ، وأحوال الشعوبالتي جال فيها المؤلف بمقاماته ، وهناك القاموس النحوي والعروضيِّ والبيانيِّ ؛وهناك أمور أخرى كثيرة ،،،
وقد اخترع بديع الزمان بطلين لمقاماته سمى احدهماعيسى ابن هشام ، وثانيهما أبا الفتح الإسكندري ، وجعل الأول الراوي والثاني البطل المغامر ، وبلغت مقامات الهمذاني إحدى وخمسين مقامة.
2- 
القاسم بن علي الحريري :
هو ابومحمد القاسم بن علي الحريري المتوفى سنة 516هـ ، وضع خمسين مقامة عارض فيها مقامات الهمذاني ، وجعل بطلها ابا زيد السروجي وراويتها الحارث بن همَّام.وقد اشتهرت مقامات الحريري أكثر من شهرة مقامات بديع الزمان لما حوت من الغريب من اللفظ ، والتنويع في الشواهد ، حتى أنها كانت تدرس في أماكن الدرس ،وتلقن في جامعات الأندلس ، وكان من يتقنها يجيزه أساتذته ، ولم يقف الأمر بمقامات الحريري بذيوعها عند العرب وحدهم ؛ بل ترجمت إلى اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية.وذيوع مقامات الحريري و انبهار الناس بها واهتمامهم بشأنها فتح الباب أمام عدد من العلماء والأدباء لكي يحذو حذوه ، ويتبعوا أثره ، ولكن لم يصل احدهم منزلته أو يبلغ شأوه . فقد جاء بعده السّرقسطي ، والزمخشري ،والسيوطي ، وكذلك في العصر الحديث : ناصيف اليازجي في(مجمع البحرين) وإن كان هذا الأخير قد نال شهرة ذائعـة ،ومنزلة رائعة .وفي اواخرالقرن التاسع عشــر قضت المقامات نحبها ، وأسلمت الروح إلى ربها فلم يقم لها قائمة، أو تَلُحْ لها بارقة أمل حتى كاد اسمها ينسى ، وذكرها يمحى ، حتى اطل علينا عائض القرني فبعثها من شتات ، وأحياها من موات ، كانت هامدة فأرسل عليها غيث الأدب ،و ودق العلم ، فاهتـزت وربت وانبتت من كل زوج بهيـج
فيما يلي جزء من المقامة التاسعه الإسكندريه للحريري :
أخبر الحارث بن همام قال : طحا بي مرح الشباب ، وهوى الإكتساب إلى أن جبتُ ما بي نفرغانه وغانه ، أخوض الغمار لأجني الثمار ، وأقتحم الأخطار لكي أدرك الأوطار ، وكنت لقفتُ من أفواه العلماء وثقفت من وصايا الحكماء ، أنه يلزم الأديب الأريب إذا دخل البلد الغريب، أن يستميل قاضيه، ويتخلص مراضيه ، ليشهد ظهرة عند الخصام ويأمن في الغربه جور الحكام . فاتخذت هذا الأدب إماما ، وجعلته لمصالحي زماما، فما دخلت مدينه ولا ولجت عرينه ، إلا وامتزجت بحاكمها امتزاج الماء بالراح، وتقويت بعنايته تقوي الأجساد بالأرواح ، فبينما أنا عند حاكم الإسكندريه، في عيشة عرّيه ، وقد أحضرمال الصدقات ليفضه على ذوي الفاقات ، إذ دخل شيخٌ عفريه تعتله امرأة مصيبه، فقالتأيد الله القاضي ، وأدام به التراضي ، إني امرأة من أكرم جرثومه ، وأطهر أرومه ،وأشرف خؤولة وعمومه ، ميسمي الصون ، وشيمتي الهون، وخلقي نعم العون ، وبيني وبين جارتي بون ، وكان أبي اذا خطبني بناة المجد وأرباب الجد ، سكتهم وبكتهم وعاف وصلتهم وصِلتهم ، واحتج بأنه عاهد الله تعالى بحلفه أن لا يصاهر غير ذي حرفه ، فقيض القدرلنصبي ووصبي ، أن حضر هذا الخدعه ،نادي أبي فأقسم بين رهطه أنه وفق شرطه، وادعى أنهنظم درة ، فباعها ببدرة ، فاغتر أبي بزخرفة محاله ،وزوجنيه قبل اختبار حاله، فلمااستخرجني من كناسي ، ورحلني عن ناسي، ونقلني إلى كسرة ، وحصلني تحت أسرة ، وجدتهقعده جُثمه ، وألفيته ضُجعه نومه ، وكنت برياش وزيّ ، وأثاث وريّ ، فما برح يبيعهفي سوق الهضم ، ويتلف ثمنه في الخضم والقضم ، إلى أن مزق مالي بأسرة ، وإنفق ماليفي عسرة ، فلما أنساني طعم الراحه، وغادر بيتي أنقى من الراحه ، قلت له : ياهذا انهلا مخبأ بعد بوس ، ولا عطر بعد عروس ، فانهض للإكتساب بصنعتك ، واجتن ثمرة براعتك ،فزعم ان صناعته قد رُميت بالكساد لما ظهر في الأرض الفساد ، ولي منه سلاله ، كأنه خلاله ، وكلانا ماينال من شعبه ولا ترقأ له من الطوى دمعه ، وقد قدته إليك ،وأحضرته لديك ، لتعجم عود دعواه، وتحكم بيننا فيما أراك الل

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *