تعايش الاديان في القرن الواحد والعشرين


التعايش الدينى، أو بعبارة أدق التعايش بين الأديان يستند إلى أسس أربعة هى:
الأساس الأول: الإرادة الحرة المشتركة.
الأساس الثانى: التفاهم حول الأهداف والغايات.
الأساس الثالث: التعاون على العمل المشترك من أجل تحقيق الأهداف المتفق عليها، ووفقاً لخطط التنفيذ التى يضعها الطرفان الراغبان فى التعايش المصممان عليه.
الأساس الرابع: صيانة هذا التعايش بسياج من الاحترام المتبادل،ومن الثقة المتبادلة أيضاً.
الإسلام رسالة عالمية:
إن الإسلام هو الدين الذى أوحى به الله سبحانه وتعالى إلى نبيه ورسوله محمد ابن عبد الله- عليه الصلاة والسلام- حين أنزل عليه القرآن مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، فهو رسالة السماء الخاتمة الجامعة لما فيه الخير والصلاح للإنسان، فى دنياه وأخراه إلى يوم الدين. فقد بعث الله محمداً- عليه الصلاة والسلام- رسولا للعالمين، ولم يبعثه لقومه العرب من دون غيرهم (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيراً…) (2)، (يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيراً 000) (3)، ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً) (4). وأكدت الرسالة الإسلامية على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (5).
وقد بلغ النبى صلى الله عليه وسلم هذه الرسالة فى حجة الوداع، فتلا الآية، وقال ما خلاصته:  ” أن ليس لعربى على عجمى، ولا لأبيض على أسود فضل ولا لعجمى على عربى، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ” (6). وهذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف، وإلى ترك التعادى بالتخالف (7).ومن المبادئ الثابتة لعالمية الإسلام والمؤكدة لمبدأ التسامح، أن الإنسان مكرم بحكم أنه إنسان ( ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )(8). والانتساب لآدم وحواء وشيجة وقربى ورحم تجعل من الناس جميعاً أسرة واحدة فى شبكة واسعة، ومن هذا المنطلق لابد أن تَصاغ العلائق بين الناس والناس، وتتشعب الأسرة الإنسانية وتنساح فى أرجاء الأرض، ولأن خالقها سبحانه وتعالى يذكرها فى قوله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا000) (9). وكلمة (لتعارفوا) فى الآية تحمل معنيين:
الأول: أن يعرف بعضكم بعضاً،  والثانى: أن تتعاملوا فيما بينكم بالمعروف (10). ومفهوم التعارف ذو سعة يمكن أن يشمل كل المعانى التى تدل على التعاون والتساكن والتعايش، ويمكن أيضاً أن يستوعب التعارف قيم الحوار، والجدل بالتى هى أحسن،.
الإسلام والتعايش:
ليس ثمة أبلغ وأوفى بالقصد من الآية الكريمة( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم 000) (11)، فى الدلالة على عمق مبدأ التعايش فى مفهوم الإسلام. ذلك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة.ومن أبرز مظاهر التعايش التى سادت الحضارة الإسلامية عبر العصور،أن الإسلام يعتبر اليهود والنصارى أهل ديانة سماوية حتى وإن لم يكن هذا الاعتبار متبادلا. وعلى الرغم من أن عدم الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، هو عندنا أمر عظيم وشأن خطير، بل هو أمر فارق، فإن الإسلام قد استوعب هذا الخلاف، لا بالتهوين من أمره، أو المهادنة العقيدية له، ولكنه بما رسمه فى باب المعاملات من تعاليم تسمح بالتواصل والتراحم رغم خلاف المعتقد (12).
والتسامح فى المنظور الإسلامى هو ثمرة التصور الإسلامى للإنسان الذى  يقوم على أساس معيارين اثنين:
 أولهما: تحديد غاية الوجود الإنسانى، التى يتخذ الإنسان الأسباب لتحقيقها  ومن ثم الالتزام بالأسباب التى تتؤاءم  مع هذه الغاية ولاتصادمها
 وثانيهما: هو مد الوعى بالوجود الإنسانى إلى  ما وراء الحياة  الدنيا القصيرة الفانية إلى الحياة الخالدة  الباقية لقد خلق  الله الإنسان لاهداف أخرى غير التى خلق الحيوان من أجلها إذ المراد  كان إيجاد جنس أخر  من الخلق ، خلقه الله بقدرته ليعبد الله  على وعى ، ويعمر الأرض بمقتضى  المنهج الربانى، ومن أجل هذه الغاية  وهب له ما وهب  من المزايا ، وأنزل الكتب لهدايته  على أيدى  الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم ،وكان من أهداف إرسال وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط  (13)
التعايش بين الأديان : كيف ؟ و لماذا ؟
أما كيف يتم التعايش بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الأديان ، فإنه ينبغى أن ينطلق هذا التعايش ابتداء من الثقة والاحترام المتبادلين،ومن الرغبة فى التعاون لخير الإنسانية، فى المجالات ذات الاهتمام المشترك،وفيما يمس حياة الإنسان من قريب، وليس فيما لانفع فيه، ولاطائل تحته.
ولعل الإطار المذهبى الذى رسمه الشيخ محمد الغزالى للتعايش، يمثل فى رأينا، الصيغة المثلى لتحديد صورة هذا التعايش بين المسلم وبين غير المسلم، فقد وضع يرحمه الله، ثلاثة مبادئ للتعايش والحوار هى:
أولا: نتفق على استبعاد كل كلمة تخدش عظمة الله وجلالته، فأنا وأنت متفقان على أن الله قد أحاط بكل شىء علماً، وأنه لا يعجزه شىء فى السموات ولا فى الأرض، وأن رحمته وسعت كل شىء، وأنه ليس متصفاً بالنقائص والعيوب التى تشيع بين البشر…
ثانياً: نتفق على أن الله يختار رسله من أهل الصدق والأمانة والكياسة.
ثالثاً: ما وجدناه متوافقاً فى تراثنا نرد إليه ما اختلف عليه، وبذلك يمكن وضع قاعدة مشتركة بين الأديان.

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *