ادب الخطابة

الخطبة في اللغة هي رسالة مقروءة غايتها الإقناع
أما الخطيب فهو القائم بعملية الخطابة وإلقاء الخطبة”، فيكون الخطيب من يقوم بالخطابة لإقناع الناس بفكرة معينة أو رأي واستمالتهم والتأثير فيهم
الخطابة فن مشافهة الجمهور للتأثير عليهم أو استمالتهم
وقد يزيد بعض الناس كونها بكلام بليغ، إلاَّ أنَّ هذا القيد شرط كمال يكون حسَب حالة المخاطبين؛ لأن حقيقة البلاغة في الكلام إنَّما هي مطابقة الكلام لمقتضيات الأحوال، وقد يقتضي الحال أحيانًا أن يتخلَّى الخطيب عن الأساليب البلاغيَّة الصناعيَّة
الخطابة اليونانية
يعود الفضل الأول في إرساء الخطابة واستنباط فنونها إلى اليونانيين قبل الميلاد ويعود اهتمام اليونانيين بالخطابة لارتباطها بطبيعة الحياة اليونانية التي غلبت عليها المجادلات الفلسفية والسياسية وشيوع حالة الحرية الفردية والتعبير عن الرأي ، وقد كان لظهور مجموعة من المتكلمين الذين عُرفوا بالسفسطائيين لتميزهم بالقدرة على الخطابة المؤثرة والإلقاء المحكم الدور الكبير في تطور الخطابة اليونانية مما جعل الخطابة مهنة يسعى إليها من يريد البلوغ إلى المراتب العليا من طبقات المجتمع . ويُعد مؤلَّف الخطابة لأرسطو أول مؤلَّف جامع ومنظِّر لعلم الخطابة .
وقد بلغت الخطابة ذروتها في العهد الروماني حيث برز خطباء مشهورون مثل : شيشرون وافتتحت العديد من المدارس الخاصة بتعليم الخطابة
الخطابة في العصر الجاهلي
أما الخطابة في العصر الجاهلي كان لها حظ وافر عند العرب لتمتع اللغة العربية بالفصاحة والبيان التي مثلت الجانب الأهم فيما ورد من خطب ذلك العصر .
من خطباء ذلك العصر : قس بن ساعدة الإيادي ، وخارجة بن سنان خطيب داحس والغبراء ، وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار ، وأكثم بن صيفي .
وبطلوع فجر الإسلام على الجزيرة العربية نشطت الخطابة واشتدت الحاجة إليها لاحتياج الدين الجديد للتبليغ في نشر وإقناع الناس في دعمه ، كما كان للخطابة الأثر البالغ في جميع مراحل تطور الدعوة من استنفار الهمم للجهاد والدفاع عن الدين ضد الكائدين والمتربصين به وتبليغ أحكامه وتعاليمه للمسلمين . وأصبحت للخطابة في ظل الإسلام مواسم وأوقات كخطبتي العيدين وخطبة الجمعة
خصائص ومميزات الخطابة في الجاهلية
تظهر قوة البديهة العربية، والقدرة البليغة على الارتجال، وأول ما يلاحظه القارئ للمأثور من خُطَبِ العَرَب في الجاهلية على ألفاظها: قوة وجزالة: تَصِلُ أحيانًا إلى الخشونة، ولعل السبب في ذلك: قُوّة نفوسهم، وشِدّة بأسهم، واندفاعهم في حماسة.
وأما معاني خُطب الجاهلية؛ فهي فطرية تنشأ عن اللمحة العارضة، والفِكْرَة الطّارِئة، وعفو الخاطِر من غير كدٍّ للفكر، ولا تَعَمّق في النظر.
وأصدق الخطب التي تدل على هذه الحال فيهم: خطب أكثم بن صيفي؛ فإنها حِكَمٌ مُتناثرة بل هي در منثور غير منتظم في عقد، ولكن إذا اتحد الغرض في الخطبة جاء التماسك في الجملة في أجزائها؛ وكثيرًا ما تكونُ الخُطب التي على هذه الشاكلة موجزة كل الإيجاز؛ كخطبة أبي طالب في زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من السيدة خديجة رضي الله عنها.
أما أسلوب الخطابة في الجاهلية: فأول ما تلقاه في المأثور من الخطب العربية، أنك لا تجد الخطب قد لوحظ فيها حسن الافتتاح، وتنسيق الموضوع وتجزئته، ثُمّ حُسن اختتامه؛ فإنّ ذلك شأن الخطيب الذي يحبر خطبته، ويزور كلامه ويهيئه ويعده، ولم يكن أكثر خطباء الجاهلية كذلك، بل كانوا يرتجلون الكلام ارتجالًا؛ لذلك لم تكن خطبهم منسقة مجزأة؛ بل كانت في الجملة غير متماسكة لعدم تماسك معانيها.
وأسلوبهم الكلامي لا تكلف فيه ولا صناعة، لعدم عنايتهم بتهيئة القول، ولذلك خلا من كل المحسنات اللفظية، كالجناس والتورية
الخطابة في العصر العباسي
بلغت الخطابة أعلى ما يمكن أن يصل إليه علم من اهتمام ورعاية وإنتاج في العصر العباسي . حيث لم يكتفِ بما توفر من تجارب عند العرب بل ترجموا ما كان عند غيرهم من آداب الخطابة وفنونها إلى العربية . ومن الكتب المهمة التي ترجمت في هذا العصر كتاب الخطابة لأرسطو الذي ترجمه إسحاق بن حنين وعلق عليه الفارابي .
وكان لظهور الفرق الكلامية خصوصاً المعتزلة أكبر الأثر في ازدياد رونق الخطابة
الخطابة في عصر الإسلام
كانَ ظُهور الإسلام إيذانًا بتطور واسع في الخطابة؛ إذ اتخذها الرسول -صلى الله عليه وسلم- أداة للدعوة إلى الدين الحنيف
وعلى هذا النحو كانت خطابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- متممة للذكر الحكيم، وطبيعي أنْ تقضي هذه الخطابة على كل لون قديم من خطابة الجاهلية، لا يَتّفِقُ ورُوحَ الإسلام.
ما طرأ على النفس العربية؛ من تغيّر في مظاهرها وأحوالها:
أما أحوال العرب الدينية؛ فلقد كانوا يعبدون الأوثان ويكاد يكون لكل قبيلة إله تعبده، فلما جاء الإسلام جمَعهم على عبادة الله وحده لا شريك له.
أما الأحوال الاجتماعية: إنّ الدّين كان يَسود في كل شيء، ولذلك ساد في أكثر نواحي الحياة الاجتماعية.
دواعي الخطابة في عصر الإسلام:
كانت دواعي الخطابة في ذلك العصر تتفق مع ما عرض لهم، وما سادهم من الحياة، وما طرأ عليهم من أحوال وشئون سياسية واجتماعية فالخطابة كانت الأداة الأولى للدعوة المحمدية.
· العوامل التي أدت إلى نمو الخطابة وازدهارها في صدر الإسلام
لقد نمت الخطابة، في صدر الإسلام نموًّا سريعًا بتأثير إسلامي من جهة، وبتكاثر الأحداث وتتابعها من جهة ثانية.
لقد جاء القرآن الكريم فهزّ النّفْسَ العَربية وأصاب شِغَافَها، وقد تَحَدّى أعَاظِمَ البُلَغَاءِ فيهم أن يأتوا بسورة منه، أو مثله، أو من مثله؛ فعجزوا عن ذلك كله، وقد قال الجاحظ في إعجازه: “بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في زمن أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة. فدعى أقصاها وأدناها إلى توحيد الله، وتصديق رسالاته فدعاهم بالحُجّة.
· لقد أثر القرآن الكريم فيهم أبلغ تأثير، وأفادت الخطابة أعظم فائدة، وجنت منه أكبر الثمرات، وقد كانت استِفَادة الخطابة من القرآن الكريم من ناحتين
· إحداهما: مما اكتسبه اللغة من القرآن الكريم: لقد أكسبها سعة في المعنى
· ثاني الناحتين: أنّ الخُطباء قد أخذوا ينتهجون منهج القرآن الكريم في الاستلال، إذا وَجَدوا فيه أبلغ طرق الإقناع الخطابي
· أما الحديث النبوي الشريف فهو كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يلي منزلة القرآن الكريم في الاحترام والإجلال، وقد اجتمعت فيه أيضًا فصاحة اللفظ، وجودة المعنى وحسن الأداء. وبلغ من البلاغة الذروة ووصل من الروعة إلى القِمّة، هو جوامع الكلم، وفيه روائع الحكم، هو القول الفصل لا فضول فيه ولا تزيد
وقد كان للحديث أثران في الخطابة:
· أحدهما: من ناحية تأثيره في اللغة؛ لأنّ الحَدِيثَ أضاف إلى اللغة ثروة من المعاني.
· ثانيهما: أنّ كثيرًا من الخُطباء كان يرطب لسانه في خطبه بشيء مما أُثر عَن الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- تيمنًا بقوله، واسترواحًا للسامعين، وليكسبوا كلامهم روعة وليستشهدوا بكَلام الرّسُول -صلى الله عليه وسلم- على صِحّة ما يَدْعُونَ.
الحَضارة: أخذت الحضارة تغزو نفوس أولئك البدو، ولكنها لم تستول عليهم استيلاء تامًّا ، فاجتمعت فيهم قوة البدوي ونخوته، وبعض دماثة الحضري ورقته.
الخطابة في العصر الحديث
بالرغم من تطور وسائل الاتصال الجماهيري وتنوع أشكالها في العصر الحديث لم تفقد الخطابة رونقها بل ازدادت أهميةً لقدرة وسائل الاتصال الجديدة من أجهزة التلفاز والمذياع المرتبطة بالأقمار الصناعية من تعميم الخطاب على عدد هائل من سكان المعمورة . والخطابة اليوم خصوصاً الخطابة السياسية والدينية تُعد من أكثر أنواع الخطابة تأثيراً في الجماهير
خصائص الخطابة
تختص الخطابة بالجماهير، والخطيب الذي يلقي خطبه امام جمهوره فانه يواجه ناس من مختلف الطبقات، متنوع المشارب، مختلف المسالك، فقد يواجه ناس يعرفهم واخرون لا يعرفهم ولا يعرفونه.
فالخطيب يتقدَّم إلى جمهوره مقدم لهم النصح والارشاد وقد يكون آمرًا ناهيًا،فوظيفته الاساسية هي الاقناع ليقنعهم بمذهبه وأن يستميلهم إلى جانبه ويقودهم إلى مسلكه.
ربما تكون الفكرة المطروحة من قبل الخطيب جديدة عليهم، أو ثقيلة عليهم، مما يؤدي إلى التردد من قبلهم أو الامتناع، هنا يجب على الخطيب أن يروض نفوسهم وان يحاول اقناع أذهانهم وإن كانت معاندة، عندها يصبح الخطيب قائدًا لجماهيره ومحققًا لرغباته من كافة سامعيه، على اختلاف وجهاتهم،وهذا الامر صعب ، فان الإنسان قد يستطيع ان يعمل على ترويض الحيوانات المتوحشة والعمل على تذليل الحيوانات النافرة، لكنه قد يعجز عن استمالة بعض النفوس؛ لقد شبه عمر بن الخطاب الناس فقال -: “الناس كجمَل أنُف”.
أهمية الخطابة وآثارها
تعد الخطابة احد مظاهر الرقي والتقدم الاجتماعي،لذلك اهتمت بها الشعوب في كل زمان ومكان واخذتها كوسيلة للمحاولة على توجيه الجماعات، وإصلاح المجتمعات.
عملت الخطابة على مشاركة الشعر في الإقناع والتأثير، لكنها كانت اقل انتشار من الشعر لانها صعبة الحفظ لنثريتها والشعر من السهل ان يحفظه الناس وأن يُتناقَلوه،فاهتم العرب بالخطابة في الجاهلية وذلك لوجودُ العديد من الأسبابٍ الاجتماعيةٍ التي ادت الى انتشارها ورفعة شأنها،فمن الاسباب التي ادت الى ازدهارها ما يلي

* اذا ارادت قبيلة ان تهنيء أو تعزي قبيلة اخرى بمناسبة معينه مثل ظهور فارسٍ أو نبوغ شاعرٍ فإنها تبعث بشخص من اشراف القبيلة ليمثلها في القبيلة الاخرى

*اذا ارادت قبيلتان عظيمتان بالتنافس تستخدم المفاخرة والمنافرة لترى كل قبيلة انها اعظم من القبيلة الاخرى تستخدم الخطابة بحيث–  يرفع من شأن قبيلته ويحط مِن قدر مَن يقابله

Join OUR Email List

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *